الأستاذ الدكتور مسلك ميمون

الأستاذ الدكتور مسلك ميمون

السبت، 9 فبراير 2013

سيمفونية الببغاء

سيمفونية الببغاء

كتب د. مسلك ميمون
صدرت عن دار الوطن للطباعة و النّشر، مجموعة قصصية للقاص حسن برطال من نوع  "الق ق ج " في حجم كتاب الجيب، و بطباعة أنيقة،  تحت عنوان : "سيمفونية الببغاء "  زيّنت الغلاف الأزرق السّماوي لوحة للفنّانة التّشكيلة خديجة العروسي و تضمّ المجموعة 102 قصّة ،تختلف في مضمونها ، و حجمها ، و أسلوبها ، و قيمتها الفنّية ..
قبل الخوض في ثنايا المجموعة ، أشير أولاً، أنّ عملية التّجريب، و البحث عن الجديد في الجديد ، كالق ق ج ، تصبح مغامرة في المجهول. و الإبداع كعملية خلق ،و ابتكار,, ليست منوطة دائماً و أبــداً بالتّجريب و التّجديد ..و إلا لألغيت من أرشيف الإبداع عدّة كلاسيكيات أدبية، و فنية ،و موسيقية.. بحجة قدمها..مع أنّها باقية، و ستبقى لأجيال لاحقة.لماذا ؟ لأنّها كانت تعانق الإبداع الحق ، و تتشربه في إطارها الخاص:رواية، أو قصة، أو شعراً،أو فناً عموماً..بيد أنّ المستحدثات، نظراً لعدم التّأني أحياناً في إعدادها، و البحث الموضوعي في إيجادها..جاءت بنت اللّحظة، فعاشت لحظتها و انتهت ... فحين يعمد بعضُ كتّابنا و شعرائنا إلى التّجريب ، و تجاوز ما هو كائن ..فهذا من حقّهم إبداعياً و فنياً ..و لكنّ ذلك ينبغي أن يكون وفق شرط لا محيد عنه ،ألا و هو انجاز البديل، و شرط أخر، ألا يكون البديل أقلّ قيمة ممّا هو كائن . و في الشّعر، و ما حلّ به أبلغ مثال : إذ ابتذل بعضه ابتذالا حتّى أصبح اسماً بدون مسمّى . أقول هذا،و نحن بصدد الكلام عن مجموعة جديدة، هي الرّابعة للقاص حسن برطال . لعلّ اللافت فيها : هو التّجريب ، و البحث عن الجديد . و كما سيتضح أنّ القاص زاوج بين طرحين مختلفين : طرح ، "الق ق ج " كما هو متعارف عليها ، مع اختلاف الرّؤى و الأساليب من قاص لأخر. و قد جاءت المجموعة بقليل من هذه النّصوص.بينما أغلب ما فيها ، تابع لطرح التّجريب و التّجاوز، و البحث عن الجديد ... لهذا ، سنطرقها من خلال النقط التّالية :
1ــ السّخريـــة .
2ــ قراءة في عناوين نصوص المجموعة  .
3ــ الزّمان و المكان .
4ــ الشّخصية المجرّدة .
5ــ الثّورة على النّسقية القصصية المعهودة .

1ــ السّخريـــة :
أعتقد أنّ النّكتة ،و الحكاية الشّعبية .. لم تكن عفواً ، أو مصادفة .. بل هي مقوّم من مقومات البناء القصصي، و وحدة فاعلة متميّزة ، و بخاصّة لمّا يهدف النّص في أبعاده المعنوية الدّلالية إلى إفشاء روح السّخريــــة  Ironie )  (أو الفكاهة ،أو أن يعمد إلى أبعاد الطّرفة ،و المستملحة لتحقيق غاية سياسية أو اجتماعية... فالق ق ج ، أنسب جنس سرديّ على الإطلاق ، لتوظيف هذه الأدوات الفنّية..ففي حوار أجرته عزيزة الرّحموني  مع القاص حسن برطال ، كان السّؤال :
ما موقع النّكتة و الحكاية الشّعبية في كتاباتك ..؟؟
فأجاب قائلا :((النكتة ..الحكاية الشّعبية بالإضافة إلى الصورة و اللّغز..كلّ هذه الأشياء أعتبرها (توابل) .. ( رأس الحانوت ) يكون لها تأثير إيجابي على مستوى حاسّة الذّوق، لأنّ الفنّ الخالي من اللّذة لا يمتع و بما أن القراءة تغذية روحية لابدّ من تحضير أطباق شهية..و لهذا تراهن القصّة القصيرة جداً على هذه الوصفات..))
سنحاول ملامسة عناصر السّخرية  في كتابة القاص حسن برطال من خلال مجموعته الأخيرة : "سيمفونية الببغاء " و لكن قبل ذلك ينبغي الإشارة   ، أنّ ظاهرة السّخرية و توظيف الطّرفة أمر لا يخصّ المجموعة الأخيرة فحسب ، بل هي سمة خاصّة ، تسم المجموعات الثلاث السّابقة أيضاً :  " أبراج " سنة 2006 ، و " قوس قزح " سنة 2009  و ( صورة على نسق 2010 (JPG
أمّا مجموعة " سيمفونية الببغاء " و تضمّ 102 نصا قصيراً جداً من بينها نصوص طغت عليها صبغة السّخرية . و هذا ما يوضح مدى ارتباط القاص بالنّكتة و الحكاية الشّعبية الخرافية (Le conte merveilleux   ) ذك الارتباط الذي أجده يشكّل تمفصلا  بنائياً و موضوعاتياً  (Thématique)بل و يحدث تداخلا و تمازجاً أحياناً، حتّى لا مفاصلة بين ما هو موضوع ، و ما هو دعم له ، و ما هو حكاية و طرفة ، و ما هو قصّة ..الشيء  الذي يُشعر بوَصلة و اتّصال ( ( Conjonctionو لكن ذلك كلّه يبقى في  إطار هرموني متجانس.. محققاً الوَجه الشّفري ، و الرّمزي الإيحائي لمقصدية السّارد و من ورائه القاص  كفاعل موضوعي .
1/1 ــ السّخرية قي إطار الثّقافة و المثاقفة :
لقد جاء القاص بمقدمة، ليس فيها إلا ثماني كلمات و سبعة أحرف رَبط ، تكوّن سطراً كاملا . و في هذا سخرية منَ المقدمات ، و ربّما من فكرة وضع مقدمة ، ذلك أنّها لم تكن قطعاً كذلك ، و لا يمكن أن تكون بهذا الحجم . و لكن، من سخرية المُصادفة ،أراد منها القاص أن تكون مقدمة قصيرة جداَ ساخرة ، فجاءت قصّة قصيرة جدأ ، و ربّما دون شعور من القاص ، لأنّه لم يدرجها كقصة قصيرة جداً في الفهرس و هي كالتّالي : ( لا يكتبُ و لا يقرأ .. و مع ذلك تطلبُ منه أن يضع النّقط على الحروف .. ) ص9                   و السّؤال أنّى لأمّي أن يفعل هذا ؟ ! و كيف كان للآمر أنْ يأمر بذلك ؟ مفارقة تعتمد التّضاد ، و  بأسلوب  ساخر . في هذا السّياق يندرج أيضاً نص "  سيبويه  " ( كان المرشد السياحي يتكلم بأخطاء على مستوى ( تَصريف) الأفعال..و لمّا أخرج قطعة نقدية قديمة و باعها بمبلغ ضخم ، أدركتُ بأنّه على علم بقواعد (الصّرف)) و السّخرية هنا،بنيت على أساس عدم القدرة على (تَصريف الأفعال) و لكن القدرة الجيدة على تصريف الأموال (الصّرف).إشارة إلى أنّ هناك من هو غير مثقف لغوياً و لكن يعرف كيف يتصرف بالأموال ، و إنْ كنتُ ــ كملاحَظة ــ أرى أنّ المرشد السّياحي مشهود له باتقان اللّغات ، لأنّها تَعامله اليوميّ ، و مصدر رزقـه ...
1/2ــ السّخرية في الإطار السّياسي :
الموضوع السياسيّ لا يغيب في كتابة حسن برطال، و نجده أيضاً في المجموعات السّابقة. و في كلّ مرّة يثير موضوعاً سياسياً، يعالجه بأسوب ساخر.و كأنّي به تلميح للعبة السياسة عندنا خاصّة، و في العالم عامّة .. تلك اللّعبة الخادعة الكاذبة ، التّي تزجّ بصاحبها في متاهات النّفاق ،و الغش، و عدم الوفاء.. بعيداً عن الفضيلة  و المروءة.. حتّى بات المخلص لا يجد له مكاناً في دواليبها..و من ذلك نجد نص  " سياسة " :( ثائر يحلم بالوصول إلى ( قلب) النّظام..الحاكم يفتح له صدره ، و يسهّل عملية المرور إلى ( قلبه ) ..) ص11 هكذا ــ سياسياً ــ يمتصّ الحاكم ثورة الثّائر ، فيمكنه من منصب و أجرة ، فيصبح مدجناً في ضيعة الحكم ،يسبّح بحمد الحاكم ،و يرعى مصالحه..و سبحان مبدّل الأحوال! و كأنّ الثّورة و السّجن و التّشرد .. ما كان إلا من أجل ذلك .. و في هذا المنحى السّاخر جاء نص " مقصلة ذهبية  " : (البطل على منصة التّتويج .. على ظهره ( القميص ) الوطني ..أمامه ( العلم) الوطني.. في مسمعــه ( النشيد) الوطني و مع ذلك بكى .. ربّما تنقصه بطولة ( الدّوري ) الوطني .. ) ص12 و إن كان النص يحتمل عدّة قراءات ،لسنا بصدد حصرها، و لكن يشتمّ من ذلك ما هو سياسي ، و كيف عبّرت المفارقة الاحتمالية عن سخرية لاذعة أساسها التناقض . و في هذا السياق نجد نص "اختبار شفوي " ص18 و " وجهاً لوجه " ص34 و " عملية فرز " ص39 ..
1/3 ــ السّخرية في الإطار الاجتماعي :
و هذا تحكمه العلاقة الجدلية بين الفرد  و ذاته ، و الفرد و الأخر / الاخرين .. و هي تيمة كثيرة التّكرار أيضاً في كتابة القاص حسن برطال . باعتبار التّداخل الشّائع بين ما هو سياسي و ما هو اجتماعي حتّى لا مفارقة أحياناً، فقضايا المجتمع هي نتاج سياسيّ، سواء كان صائباً أو خاطئاً.كما أنّ دوافـع السياسة في معظمها ضغط ،و متطلبات اجتماعية ..نص " سوق عكاظ " و " الأسونسور" ص38 مثلا .
أ ــ فمما هو ذاتيّ إجتماعي نص :" الوداع الأخير"( على مقربة من الباب الخارجي و دعها بقوله :
ــ مع السّلامة يا ( روحي ) ..
و لما بلغها نبأ وفاته على متن القطار، أدركت بأنّ تحية الوداع لم تكنْ لها بل للتي هي من أمر ربّه .. ) ص13 و هنا تتجسّد المفارقة في سخرية القدر[ الروح الأولى / كناية ] بقيت ، بينما  [الرّوح الحقيقية] ذهبت إلى بارئها .
و في نفس الاتجاه نجد نص "خضراء الدّمن" ( الوردة التي سحرته بجمالها و عبقها نهاراً، انفردت به على فراش النّوم ليلا و خنقته بغازاتها.. ) ص13 سخرية قدرية أخرى : من نُحبه يقتلنا !! أو كما يقال :  (من الحب ما قتل ): سحرته الوردة فأعجب بها  نهارا ،فاستبقاها في حجرته و نام ليلا،  فكان إفراز ثاني أكسيد الكاربون الذي تسبب في اختناقه . و في هذا السّياق تندرج أيضاً النّصوص التّالية : " اسقـاط على هامش الصدر" ص14 و " النّعجة دولي " و "مطابقة الاسم " ص15 و " اختبار شفوي " و " خطّـــــان متوازيان " ص16 ...
ب ــ  ماهو جماعي ، اجتماعي . نص :" سفينة نوح "( هي تصارع الطوفان و نوح يطلب ( يدها) .. لكنّها فضلت أن تكون امرأة فرعون على أن يكون ابنها من الغارقين. " ص 17 نص وظف  قصّة سيدنا نوح عليه السّلام فيما يتعلّق بالسّفينة و الطّوفان و ابنه الذي عصاه فقال : ( سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ) فكان من المغرقين كما وظف قصّة زليخا زوجة فرعون و كانت امرأة صالحة ، وعنصر السّخرية هنا ،لا يعدو أن يكون سخرية  من "الاختيار". حين يكون صعباً وحاسما كالذي وقعت فيه المرأة ، بطلة النّص . و ذلك بين أن تنقذ نفسها من الطوفان ، و تفقد ابنها غرقاً. و بين أن تعاشر فرعون الطّاغية الملحد و هي امرأة مؤمنة. فاختارت الاختيار الأخير . و تتكرر نفس سخرية "الاختيار" في نص آخر مشابه ،   " رباعية الدّفع " : ( لمّا اختار البطل (أربع ) نساء قيل له :
ــ إن خفتَ ألا تعدل فواحدة ..
أجاب :  ــ لا بدّ ( لبيت ) الزّوجية من ( أربعة ) جدران . ) ص17  و تستمر السّخرية في نفس الاتجاه في نص " المارشي ــ نوار" و" مرافق صحية " ص19 و " محكمة " ص20 و "الستيتوسكوب" ص29 و" سيمفونية الببغاء " و " مفاعلات نسوية " ص33 ...
2 ــ قــراءة في عناوين المجموعـة :
عدد عناوين المجموعة 102 فضلا عن  ( المقدمة ) المبتسرة التي اعتبرناها "ق ق ج" يصبح العدد 103 .وعدد العناوين المفردة ،أي : ما جاء العنوان عبارة عن كلمة واحدة، واحد وعشرون عنواناً و الباقي إثنين و ثمانين عنواناً مركباً،أي: ما جاء العنوان في كلمتين ،و هذه ملاحظة لا تخلو من أهمية لأنّ العنوان المركب بهذه الكثرة أعطى انطباعاً أولياً على حيثيات النّص. مثلا : الوداع الأخير، النّعجة دولي ، مطابقة الاسم ، فحص تقني، شارب الخمر، فلتة لسان، كاتم صوت.. بينما جاءت العناوين المفردة تلميحية في أغلبها،مثلا : الشّكل ، خلود، ترمواي ، البوصلة ، مدفئة ، قيصر..و اللافت للانتباه أنّ كلّ العناوين اسمية. و رغم ارتبا ط جلّ العناوين بالنّص و دلالته ، إلا أنّ هناك ما جاءت منفصلة تماماً عن دلالة النّص منها مثلا : مقصلة ذهبية ، خلية نائمة ، صوت في راس اللائحة ، خلود ، الورقة الحمراء، حياة برية ، عيطة زعرية ...
و عناوين اقتبست من الدّين:خضراء الدّمن (قال الرسول صلى الله عليه و سلم : " إياكم وخضراء الدّمن، قالوا: وما خضراء الدّمن يا رسول الله ؟   قال: المرأة الحسناء في المنبت السّوء. ")  ،سفينة نوح ، ناقة صالح ، يونس النّبي ، حجارة من سجيل . كما هناك عناوين اقتبست من التّراث مثل : " النحلة شامة " و هي قصيدة زجلية من فنّ الملحون كتبها المرحوم التّهامي المدغري. قصيدة قديمة تحكي قصّة حوار بسيط و سطحي بين سلطان، وملكة النّحل ضمّنها وصفاً جمالياً ليوميات النّحلة و إعجاب السّلطان بها و قد  لحنتها و غنّتها مجموعة ناس الغيوان . كما هناك من العناوين ما أُخِذ من المثل العربي  مثل : " شرّ البلية " الذي أُخذ من المثل السّائر " شرّ البلية ما يُضحك "

3 ــ الزّمــان و المكــان:
لعلّ الزّمان و المكان يلعبان دوراً أساسياً في العملية السّردية ، كانت طويلة أو قصيرة ، لكن في مجموعة " سيمفونية الببغاء" لا نجد ذكر المكان إلا في نصوص قليلة جداً بمقارنة ذلك بعدد النصوص : (مقصلة ذهبية ،الوداع الأخير ، خضراء الدّمن ،خطان متوازيان ،المارشي ــ نوار ، مرافق صحية ، محكمة ، مفاعلات نسوية، التيرسي .) أمّا باقي النّصوص فلا ذكر للمكان و كأنّ الحدث لا مكان له .أمّا بالنّسبة للزمان فيبدو أنّ الأمر غريب إذ لم يذكر إلا في ثلاثة نصوص : (شجرة العائلة ، و يونس النبي ، و عيطة زعرية ) فإذا عدنا إلى أدبيات السّرد ، نجد إقراراً تامّاً.. ألا سرد خارج الزمان و المكان .. و بخصوص الزمن فهو ( عنصر أساسي في القصة، وبدون الزّمن لا يمكن أن تستقيم . وعلاقـة القصّة بالزّمن علاقة مزدوجة ، فالقصّة تصاغ في داخل الزّمن ، و الزّمن يصاغ في داخل القصّة ) ([1]) و في جميـع الحالات لا يمكن دراسة الزّمن إلا في علاقة جدلية بالحدث و المكان و الشّخصية .فالحدث ( اقتران فعل بزمن) ([2]) والزّمن ( مدى بين الأفعال) ([3]) و هناك ارتباط وطيد بين الزّمن و الشّخصية /الشّخصيات قد يتغير بقدر ما تتغير (فظهور أكثر من شخصية رئيسة في القصّة ،يقتضي الانتقال من واحدة إلى أخرى وترك الخط الزّمني الأول للتّعرف على ما تفعله الشّخصية الثّانية أثناء معايشة الأولى لحياتهــــا ) ([4]) و المسألة ليست خاصّة بالرّواية و القصّة، بل هي أيضاً ضرورية في "الق ق ج" رغم صغر حجمها فغياب الزّمن يجعل الحدث ، و الشّخص/الشّخصيات و كلّ عناصر القص..أمورا ذهنية تسبح في المطلق . ( ولا يمكن أن نغفل ارتباطه ـ أي الزمان ـ بالمكان فكلّ قصّة لابدّ أن تشتمل على عنصرين متلازمين هما : الزّمان و المكان فالأول يمثل الأحداث نفسها، و الثّاني يمثل الخلفية التي تقع فيها الأحداث ) ([5])هذا فضلا عن استحضار[زمن المثن و زمن المبنى] و لكن حين نفاجأ بغياب الزمن في مائة نص يبدو الأمر غريباً . هل هي عملية تجريب؟ أم هي ثورة على خصائص القصّةّ ؟ أجدني أرشح هذا الأخير لما سأذكره فــــي الفقرة الموالية :
4 ــ الشّخصية المجـــــــردة :
لا شك أنّ الشّخصية ، تلعب دوراً أساسياَ، فهي صانعة الحدث، و شاغلة المكان، و المتّصرفة في الزّمن . لهذا تنصب عليها عملية التّلقي . و مختلف الدّراسات النّقدية و المناهج التّحليلية و اللّسانية ... باعتبار أنّ العملية السّردية ،هي عملية متوالية من الأحداث . نلاحظ أنّ الاهتمام بدأ واضحاً في أعمال كلّ من فلاديمير بروب –Vladimir Propp- و إتيان سوريو-Etienne Souriau- وقريماص–A-j   Greimas و فليب هامون....وجميعها تمثل العقدة بمعناها التقليدي ، أمّا المجموعة التي تلتها فتمثلها الأعمال المهتمّة بالرّؤية السّردية أو وجهات النّظر مع كلّ من هنري جيمس-HENRI JIMS- و جون بويون-jean Pouillon-...و أخيراً مجموعة نظريات التّلقي . إنّنا في كلّ هذا ،على اختلاف المذاهب و زوايا الرؤية.. لا نكاد نجد حديثا عن الشّخصية المجردة ، إلا إشارات تكاد لا تذكر باعتبر أنّ الشّخصية بمقوماتها الوصفية الفسيولوجية ،و مكتسباتها الذّاتية و الوجودية. و لكن في المجموعة التي نحن بصددها ارتأى القاص تجريد شخصيات نصوصه بشكل لافت :
أ ــــ الشّخصيات نعوت :[ المرشد السّياحي ، ثائر ،البطل ، المعلم ،الشيخ ، مرشح ، الإفريقي ، الأوروبي، زميل العمل ، زميلة العمل، العجوز،امرأة/ المرأة الحامل / المرأة السّوداء ، الصّغيرة ، اللّجنة ، التلميذ، الولد ، الزوجة ، المستشار ، الوزير ، الأب ،الزبون ، البائع ، السجّان ، الإرهابيون ، الرّجل ، ضابط الحالة المدنية، العالم ، الناطق الرسمي، المسؤول ،الحاكم ، الرئيس، الطفل ، الحسين ، المدرس ، عروس  فإذا استثنينا[ المرأة الحامل و المرأة السّوداء] لا نجد إشارة وصفية لأيّ شخصية . بل نجد امعاناً مقصوداً في تجريد معظم الشّخصيات الأخرى ، إذ تصبح مجرد ضمير,
ب ـــ الشّخصيات ضمير : [ ( ت) ضمير المتكلم ، هو ، هي ، هما ، أنت ، هم ، نحن  ] قد يقال أنّ الق ق ج و نظراً لحجمها ، و مبدإ التّكثيف و الإضمار و الحذف ....ينبغي الاستغناء عن الوصف ...و هذه حقيقة إنّما ينبغي ألا تؤخذ بحذافيرها، و بالصّرامة القصْدية "فالق ق ج" رغم ذلك تتّسع لإشارات الوصف التي من الممكن أن تساهم في بناء تركيبة سردية، لا تخلو من حكي، و هو أهمّ ما في القصّة. و لا قصّة بدون حكي ، و لا حكي بدون هذه الاشارات الواصفة...و بتوظيفها و بالقدر الذي يسمح به المجال ،  تتحدّد براعة القاص .
5 ــــ ثورة على النّسقية القصصية المعهـــودة :
هي مسألة ليست بالجديدة، فالقاص حسن برطال بدأها من أول مجموعة ( أبراج ) 2006 ., ثمّ واصل ثورة ( الهدم ) في مجموعة ( قوس قزح )2009، و مجموعة ( صورة على نسق 2010 (JPG.. بيد أنّه انتهى من التّخلص، من الكثير من مقومات القصّة في مجموعة ( سيمفونية الببغاء).  2012 حقاً أنّ الغلاف يشير إلى مجموعة:" قصص قصيرة جداً" و حقاً جاءت نصوص جيّدة في هذا الإطار كالذي استشهدنا به سابقاً ، أو أشرنا إليه ، و لكن أغلب النّصوص لا يمكن اعتبارها كذلك . لأنّ القاص فضّل الثّورة على الثّوابت المعروفة، و خلق عوالم مختلفة، و هذا اختيار خاص أراده القاص لنصوصه.. و قد أشـــار إلى ذلك الأستاذ عبد الحق ميفراني في مقدمة المجموعة حين قال : ( تصرّ المجموعة عموماً " سيمفونية الببغاء " للقاص حسن برطال، أنْ تحافظ على مستوى المنجز انخراطها في أسئلة الكتابة القصصية " القصيرة جدا" لكن بهواجس مختلفة تماماً إذ تجعل من رهان النّصوص هو الفيصل. و لعلّها ملاحظة مركزية تلتقي مع الخطاب النّقدي الذي أصرّ دوماً على ضرورة خلق تراكم للمنجز النّصي ليمكن حينها الحديث عن " برنامج سردي ما" أو تصور، أو حتّى خصوصية . و الحال و أنّنا أمام تجارب مختلفة في السّياق الذي أنتجها ، و اختلاف أيضاً حتّى في التّراكم الذي تحقق اليوم . ) ص5 إلا أنّ الناقد إبراهيم الحجمري كان أكثر وضوحاً و بياناً، و أقلّ مجاملة .. حين قال عن المجموعة : (وعلى امتداد نصوص مجموعة "سيمفونية الببغاء" لا نجد رائحة القصّة القصيرة كما عرفناها لدى الرواد ممن أسّسوا لهذا الجنس الأدبي عربياً،وكأنّ برطال يريد تأسيس نمط جديد من الكتابة على أنقاض القصّة التّقليدية ، التي ترتكز على الأحداث المتسلسلة وفق نظام منطقي مفكر فيه على أساس وجود حبكة وشخصيات تُطَورُ النّص وتؤزّمه، وفضاء يحتضن الأحداث والشّخصيات، وزمان تقع فيه هذه الوقائع. ففي هذه المجموعة لا وجود لتلك العناصر، وإن وجدت فمن باب المصادفة، لأنّ القاص يريد هدم كلّ ما يمت بصلة للقصة المتعارف عليها ) ([6])
ربّما ليس الهدم هو الأساس، ففي بداية السبعينات، و مع ازدهار الشّعر الحديث أصبح معظم الشّعراء في المغرب ، شعراء تفعيلة..و أداروا ظهورهم للقصيدة العمودية،و كأنّهم ما كتبوها من قبل . و لكن النتيجة هل كانت في هدم و نسيان القديم و الاحتفاء بالجديد (السّهل) ؟ أم كانت في التّميز و العطاء ؟ إنّ الدواوين التى بقيت تغالب الزّمن ، و تفرض نفسها قلّة قليلة ، أمّا التي عفا عنها الزّمن و أصبحت مجرد عناوين في الأرشيف ما أكثرها!  وأنا أتابع عملية التجديد  و التّجاوز التي ينهجها القاص حسن برطال في إطار" الق ق ج" أعجب ما أعجب له ! أنّ التجديد و التجريب لم يمنعه  من كتابة "ق ق ج " على النّسق المتعارف عليه. و كأنّه يحنّ إليها في صورتها التّي هي عليها .. و لكن تنازعه من حين لأخر رغبة التّجاوز و التّجريب فينجذب إليها ،فيأتي بما هو خارج دائرة "الق ق ج " المألوفة ، كما نرى في هذه النصوص مثلا: ( خلود ، ما أنا بكاتب ، حياة برية ،كابوس ، عيطة زعرية ، ترمواي..) فمثلا نص " عيطة زعرية فيه خمس كلمات : ( الحي المتهالك ،مات ليلة البارحة ) و ليست المشكلة في الحجم في حدّ ذاته ، و لكن غياب الــــدلالة و المعنى العميق ، و المفارقة ، و لذّة القراءة ، و متعة الكشف و لذّة التّأويل ، و السّنن اللّـــغوي، و الحقيقة المتخيلة المتقصّدة ، و الوجه الشّفري ، و الأساليب ، و التّقنيات، و أثر السياق  effet de contexte..كلّ ذلك لا جدوى من البحث عنه.لأنّ القاص حسن برطال يكتب شيئاً ــ في معظمه ــ مختلفا على ما هو معهود، و مترسخ في الأذهان. فكما أنّ كاتب قصيدة النثر لا يمكن مساءلتــه عن العروض و القافيــة ، فكذلك هنا لا يمكن الحديث عن مقومات "الق ق ج" إلا في بعض من نصوص المجموعة،و قد لا تتجاوز العشرين نصاً.
أعود لما استفتحت به هذه المقالة . هل نحن بصدد ترسيخ فنّ جديد ، و جعل الذّائقة السّردية تألفه ، و تتناغم و أساليبه و مكوناته...؟ أم ترى هذا الفنّ الوليد أصبح فجأة راشداًـ بل تعدّى ذلك إلى الشّيخوخة و الهرم ..و آن الأوان لتجديده ، و البحث عن البديل...؟ و على ذكر البديل ، هل استطاعت كلّ الكتابات المستحدثة في هذا الشأن ، و في إطارها التّجريبي التّجديدي.. أن تأتي بالبديل ؟  بل هل استطاعت سبعون مجموعة قصصية أن تحقق تراكما نوعيا ؟ أسئلة لا شك أنّها تؤرق كلّ سرديّ متتبع لشأن "الق ق ج " و هي في مدارجها الأولى تبحث عن نفسها، و عن مكان وسط الزحام. و لكن و رغم ذلك ، كانت و مازالت ، مجموعات القاص حسن برطال ، على قدرٍ كبير من جرأة الطّرح ، و كثرة الطموح ، و تجديد البنـــاء .. مستهدفة المتلقي الحداثي أساساً .


[1] ــ الزمان والمكان في قصة العهد القديم : احمد عبد اللطيف حماد ، مجلة عالم الفكر ، الكويت، مج 16، عدد 3  
    ، 1985 ، 65 .
[2] ــ دراسات في القصة العربية الحديثة : محمد زغلول سلام ، منشأة المعارف الاسكندرية ، د . ت ، 11 .
[3] ــ الأزمنة والأمكنة : ج 1 ، ابو علي المرزوقي ، دار المعارف العثمانية ، الهند 1332 هـ ، 141 .
[4] ــ بناء الرواية ، دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفو ظ:سيزا قاسم ، دار التنوير للطباعة والنشر ، بيروت
    لبنان ، 1985 ، 50.
[5] ــ  المصدر السابق ص 102 و مزيدا من التوضيح لمسألة الزمان و المكان ينظر خطاب الحكاية ، بحث في
     المنهج ، جيرار جينيت ،  
     ترجمة . محمد معتصم ، عبد الجليل الازدي، عمر حلي ، ط 2 ، 1997 ، 46 .كما يمكن  الاطلاع على مسألة
   الزمان في كتاب بول  ريكو " الزمان و السرد "  دار الكتاب الجديد المتحدة ...
[6] ــ  الجزيرة نت/ أخبار الثقافة و الفن ــ "القاص برطال يهشم عمود القصة العربية ."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق