الأستاذ الدكتور مسلك ميمون

الأستاذ الدكتور مسلك ميمون

الاثنين، 8 أبريل 2013

قراءة في عشر قصص قصيرة جداً للقاص المصري حسن عبد الحميد الدراوي

بسم الله السّلام عليكم في صفحات هذه المدونة '' النّقد و الإبداع '' مجموعة من المقالات الأدبية التي تُعنى بالشّعر و القصّة ، و بخاصّة القصّة القصيرة جداً . كما هناك نصوص إبداعية من قصصي .. قراءة ممتعة و مفيدة للجميع تحياتي / مسلك تقييم هذا المقال قراءة في عشر قصص قصيرة جداً للقاص المصري حسن عبد الحميد الدراوي أضيفت بتاريخ 07-05-2010 الساعة 06:19 AM بواسطة د مسلك ميمون قراءة في عشر قصص قصيرة جدا للقاص حسن عبد الحميد الدراوي حسن عبد الحميد الدراوي القاص في سطور : القاص حسن عبد الحميد الدراوي ، قاص مصري يعيش في المملكة العربية السعودية منذ 1970 عمل في التّدرس والصّحافة ثمّ تفرغ للتأليف و الكتابة و النشر. من مؤلفاته : ـ في أدب الرسائل ـ رسلة إلى ولدي . ـ في أدب الموعظة ـ هؤلاء ماتوا على طاعة . ـ في الشعر ديوانين :* الأول : في وحدتي . * والثاني : في غربتي . ـ في كتب القراءة والكتاب لماقبل الرحلة الإبتدائية : * إقرأ واكتب تهيئة وإعداد . * القراءة والكتابة للمبتدئين ـ في قصص الأطفال سلسلة روان ورناد :ـ * طبع منها واحدة الصرة والحجر ، والسلسلة مكونة من إثني عشر قصة . و هناك مؤلفات تحت الطبع . * (1) وجـدهـا خــــاويـــة للمرة الأولى يجـلـــــــس إلى مــــائدة طــــــعـامه وحــــده ، ولـــمـــا نــظـــر إلى يـــمينه ويســـــــاره لم يـــجـد أحـــداً مــن أصـــدقائــــــه ،أو حـــتى خــــدمـه ، ففتــح حــــافظــــة نـقــــوده ، فـوجـــدهـا خـــــاويـــــة، وهـــرع لـخـزينته فــــوجـــدهـا خـــــاويـــة . ولــمـا عـــــاد لـــمــائـــدتــــه تـبــيــن أن لـيـــــــس عـلـيـــهـا طــــعـــــام . * '' وجدها خاوية ''قصة قصيرة جداً ، معبرة و هادفة . تقول الذي ينبغي أن يقال و لكن بطريقة فنية ذكية تتلافى المباشرة ، و تعتمد الكناية و التلميح ... علاقة الأنا بالآخرين ظلت و لازالت علاقة جدلية أساسها المصلحة . فإن وجدت كل شيء يوجد و يكون . و إذا انعدمت ، تبخر كل شيء و كأنه لم يوجد و لم يكن : '' جلس إلى مائدته ، كناية عمّا أسبغ عليه الله من آلاء ونعم و أكل وشراب .. فالتفت إلى جلسائه الذين ألفوا موائده كما ألفهم ، فلم يجد أحدا منهم.بل حتى خدمه انفضوا عنه . و تركوه وحيدا .فاضطرب لهذا الحدث الجديد الذي لم يألفه من قبل . فالتمس محفظة نقوده فوجدها فارغة، ثم خزانته فوجدها خاوية، انتابه ذهول و حيرة فعاد إلى مائدته'' فتبين أن ليس عليها طعام '' ترى ماذا حدث ؟ ! ذاك ما يريدنا القاص أن نصل إليه ، و أن نستنتجه بعد أن مهد و بسط بما ينبغي . لقد اتضح أن العلاقة كانت مادية تتوقف على ما يؤخذ و ما يستفاد منه . مادام ذلك أصبح خواء و فراغا ، و تغيرت الأحوال،و تبدلت المآل فلا حاجة للصداقة ولا حاجة للخدمة .'' القصة لكثافتها ، لم تعطي تفاصيل أكثر . و ذلك ما يجب و ينبغي . لأنّ القاص يعمد هنا ـ كما هو شأنه في باقي القصص ـ إلى عملية الحذف ، و الإضمار ، و الاستئناس بذكاء المتلقي و فطنته في تتمة ما هو ناقص . و فهم المسكوت عنه ، و استنباط النتيجة .. و تلك وجاهة العمل الفني ، و بخاصة في مجال القصة القصيرة جداً . لغويا يميل القاص إلى اللغة البسيطة ، و التعابير المتداولة ، و لا يهتم بغريب اللفظ archaïsme و التركيب . بل تلامس و تجاري تعابيره النطق العادي . 2) الدموع تتقاطـــر في كل صـــباح يتفحص حـــافظـــة نقوده ، ويُخــرج صــــورة منـها ، احتفظ بها كثيراً ، فيتحسسها والدموع تتقاطر من عينيه ، فتلك الخـــدود قِبَـلهـا ، وهذه الضــــفائر مشـــــطـهـا ، وهـذه الابتسامة من تلك الشفاه لثـمها ، وظـل على حاله تلك ســـنين وســــنين ،إلى أن جـــــاءه البشـــــير ، ومــــا أن رآه حتى نهـض من مقـعـده ، ثـم راح . إنّ مشاعر الأبوة و إن اختلفت قليلا عن مشاعر الأمومة ، فستبقى نعمة من الله للبشر .فلولاها لغاب الحب و اندثر، و اختفى المبدأ و استتر، و عمّ الجفاء حياة البشر . السارد ، يذكر فقيدته الصغيرة ، فيخرج صورتها من حافظة نقوده ، فيتحسسها و كأنها حية ترزق ، فتغلبه الدموع فلا يقوى على حبسها . فطالما قبل الخدين الموردين ، و لثم الابتسامة من الشفتين المبتسمتين ، ومشط الشعر المسدل بانتشاء ... و داوم على حاله تلك سنوات طوال .. كان في ذلك يستعيد ماض لن يعود ، و يناجي فقيدة أصرت أن تسكنه و للأبد .و لم يتخل عن ذلك إلا بعد أن استجاب لقضاء الله .. ( فراح ) . نص يعطي صورة ، لا تحتاج إلى توضيح ، و لكن تحتاج للتأمل و التدبر ، في عواطف الأبوة ، و ما أنشأها و خصها الله به ... همســـــة : ـ القفلة : تحتاج إلى عناية .فهي مفهومة لدى القاص ، و قد تكون مفهومة عند الذي يبذل جهداً في عملية الربط و الفهم التأويلي ... و لكن تبقى نوعا ما ملتبسة ( و ما أن رآه حتى نهض من مقعده ثم راح ) السؤال ماذا رأى ؟ و من هو البشير ؟ ثم ماذا يعني فعل (راح) في النص ؟ و هل وظف توظيفا معجميا ؟ و هذا لا يجاري النص . و هل وظف توظيفاً عاميا بمعنى : مات . ؟ هذا الإشكال كان من الممكن أن يتلافاه القاص لحدوث القبول acceptation لو أعاد النظر في النص . لأنّ القفلة ذات أهمية ، في القصة القصيرة جدا . * (3) يـــوم الـغـــفـران وقف بين جـنـوده يقـــول : لقد كانت هذه الحرب صـعبة ، معـارك الدبابات فيها قـاســية ، إنـهـا حـرب ثقيلة بأيامـها،ثقيلة بدمائـها . ولكن إن حـاربناهـم فســيعـرفون حقاً أننا شـعب الله الـمخـتـار. ولم يـكد يُنهي كلامه حتى زُلْــزِلــت ….... لا شك أن معركة يوم الغفران ، ستبقى الشاهد القوي أن الجيش الذي لا يقهر . قهر و ذلّ و مرغ وجهه في التراب . وأن الغطرسة الصهيونية ، وشعاراتها الجوفاء انكشفت و بان ضعفها ، و تعرت وبانت سوأتها. و لم يعد هناك تفاضل أو قوة يفتخربه العدو، رغم التفاوت النوعي في الأسلحة المدمرة ، و الغطرسة العدوانية . فالنص رغم قصره، يلخص أنّ العبرة بالنهاية. و ليس في الشعارات والكذب و التمويه . و يعطي إشارة للأمّة أنّ اعتمادها على نفسها هو الأساس ، و هو الضامن لنصرها، و تفوقها. * (4) لم يـعــد جــــــاءت به مـن قـريتهــــا ؛ لـيـعــمل في حــديقة فيلتها الفاخـــرة ، في مـدينتها العريقة ، فزرع الورود ، والرياحين، وشـذب الأشجار ، وفي كل صـــباح يُـطل عليها بـوردةٍ ، ولـما استيقظـت كـعادتـها لم تـجـد الابتسامة ، ولا الـورود . نص ( لم يسمع ) من النصوص التلميحية التي تستوجب على المتلقي أن يضيف من عنده ليتم تأثيث النص : جاءت به من قريتها و أظن من ( قريته ) ليشتغل بستانيا في فلتها فاهتم بزراعة الورود و تشذيب الأشجار ، كما واظب على أن يهدي السيدة وردة كل صباح . و لكنها حين افتقدته ذات يوم لم تجده فبحثت عنه في كل شوارع المدينة ، فلم تجده ، ذهب و لم يعد . النص ينفتح عن التأويل و التخمين لأنه ملفوف بالذهنية mentalisme: ـ هل ضاق ذرعا من البستنة ؟ ـ هل اشتاقة إلى عالم القرية و بساطته و هدوئه ...؟ ـ هل نفر من عادات المدينة و سلوكيات أهلها ؟ ـ .....................................؟ * (5) تهـورت في سيـــــارتها الحمــــراء دارت الشــــوارع ،بســـرعةٍ مـجنـونة ،وعلى الصـــــوت المنبعــث من مســـــجل ســـيارتـهـا تـردد أغــــاني العشــــق ،والهُـــيام ، فارتبكت ، وقتلت صبيـــــــاً ، وفي المخفـــــر أزاحـت الضـــابط مــن مـكانه، وخـــــرجت تـردد : أنــــا ...!أنــــــا.. ! نص يعود بنا إلى حرب الطرق ، و ما تخلفه من ضحايا ، بسبب تهور بعض السائقين والسائقات،في عدم احترام قوانين المرور.و قد يعود الأمر للمشاة لعدم تنبههم ...هي حرب حقيقية لا تخلو منها مدينة في مختلف أقطار المعمورة . فما بالك إذا كان السائق لاه ، أو مشغول الذهن، و غير منتبه لما أمامه من سيارات و مشاة و علامات ...؟ في النص امرأة تقود سيارتها بسرعة مفرطة ، و هي تترنم بأغنية تنبعث من مسجل سيارتها ، فانتشت من الغناء فلم تعي إلا و هي أمام الكارثة فارتبكت و كانت الحادثة القاتلة . همسة : نص يبدو بسيطا للغاية : سواء بلغته ، أو مضمونه و طريقة التعبير عنه .. و في الحقيقة لم يعد الغناء داخل السيارة ما يسبب الحوادث بكثرة . و لكن أصبح الهاتف المحمول ، و الشجار ، و لعب الأطفال، ومعدات السيارة ، و جنون السرعة ... كل ذلك من أسباب الحوادث القاتلة . * (6) جــلســـت لتســــــتريح حــملـها على كتفه ، وطـاف بـها ســبعـاً ، وســعى بـهـا بين الـصـفا والمـروة ، وَصَــلَّـتْ خـلف مــقامِ إبراهيـمَ ، وسـقاهـا من زمــزم ، وقــص قـيد أنـمـلةٍ من ضـفائـرهـا ، وأجــلسـهـا لِتشــبع من الكعبة ، فـغـطـت في نـومٍ عـميق وهـو يـمســح جَبينـهـا ، ويقبل يـديـهـا ، ولمـا أفـاقـت وجـدتـه قـد راح . '' جلست لتستريح '' قصة قصيرة جدا تجسد البرّ بالوالدين و بخاصة ـ هنا ـ بالأم : لقد حملها على كتفه و طاف بها و سعى بين الصفا و المروة ، و انتظرها إذ صلت صلاتها خلف مقام إبراهيم ، ثم سقاها ماء زمزم ، و قصّ قليلا من ضفيرتها . ثمّ أجلسها لتمعن النظر في الكعبة المشرفة ، فتشبع بصرها . ثم أخذتها سنة من النوم . و هو بجانبها يمسح جبينها و يقبل يديها، و لما استفاقت كان قد ودّع الحياة . بهذه النهاية المأساوية وغير المنتظرة . تقفز إلى الذهن عدة أسئلة : ـ ماذا أراد القاص بذلك ؟ ـ لماذا اختار موت الولد البار ؟ ـ لماذا أحزن الأم العجوز بعد مناسك غمرتها بالسّعادة ؟ ـ أليست الخاتمة مفتعلة ؟ ـ ثم لماذا الإصرار على أن يأتي فعل ( راح ) بمفهوم عامي . بمعنى ( مات ) ؟ و عموما و إن استجابت القفلة لدواعي المفاجأة و المصادفة و النسقية الفنية. فإنها و حسب السياق و الدلالة لم تؤدي وظيفة تغني النص . لأنّ الموت هنا جاء كحدث طارئ مصطنع artificiel بلا معنى . و هو أقرب من الافتعال منه إلى الإقناع . * (7) طربـــتْ له قـال لها : إلى نبع الحياة ، وما أحلاه من نبع !، إلى القلب الوفي ، وما أجـمله من قلب !، إلى القلب الذي فاض ويفيض ، إلى صـاحبة المكارم فالعقل يعجز عن وصـفك ، والقول فيكِ جميـل جميل ،والولد منكِ أجـمل وأجمـل ، ولما ســمعت كل هــذا وذاك طـربت ، وقالت : شـكراً لـك ، ثـم تاهـــت. حين قرأت هذا النص ، تذكرت مباشرة قول أحمد شوقي : خدعوها بقولهم حسناء ***** و الغواني يغـــــرهن الثناء أتراها تناست اسمي لما ***** كثرت في غرامها الأسمـــاء و لكن بمنطق الفن ، هل يمكن اعتبارها قصة قصيرة جداً ؟ ـ لا نجد حدثا متطوراً بل إخباراً و شكراً . ـ أما ( تاهت ) فهو مجرد رد فعل ليس إلا . إذاً ، النص ـ في هذه الوضعية ـ يفتقد عناصر، و مقومات القصّ . * (8) خاتم الخِطبة على المائدة التي دعاها إليها تعمد أن يظهر خاتم الخِطبة ، وتعمدت هي أن تظهر خاتم الخِطبة ، ونعى كل منهما حظه في عدم الارتباط ، ثم انصرفا وفي الطريق ، خلع كل منهما خاتمه ، ثم تلاشيــا . هذا النص يطرح إشكالا في الفهم إن لم أقل تناقضا contradiction .( دعاها إلى مائدة.) الدعوة ليست من أجل لا شيء. ( أظهر خاتم الخطبة ) و ( تعمدت هي أن تظهر خاتم الخطبة ) كذلك ليس من أجل لاشيء . و تأتي الجملة : ( و نعى كل منهما حظه في عدم الارتباط ) و يبقى السؤال : لماذا النّعي ؟ ما دام معاً تعمدا إظهار خاتم الخطبة ؟ و تأتي العبارة : ( ثم انصرفا و في الطريق خلع كل منهما خاتمه ) و السؤال : لماذا جاء هذا الفعل متأخرا .؟ و ما علاقته بإظهار الخاتم في البداية ؟ إذن يبدو أنّ النص مضطرب ، لانعدام المؤشر السببي causative . و كأنّي بالسّارد أراد قول شيء ما . ولكن خانه التعبير. * ( 9) آلاف الدراهم عشرون عاماً في الأحياء الراقية،من المدينة الجميلة، وأمام أبواب مساجدها ، وشوارعها ، يتأملها ، ويملأ جيوبه بآلاف الدراهم ،ثم يعود لوكرٍ في أطرافها. ' آلاف الدراهم ' و مضة معبرة . عن نفسية المتسول الذي جعل التسول وسيلة للعيش . و هو يكتسب منه مالا وفيرا في الأحياء الراقية ، و أمام أبواب المساجد كل يوم .و لكن لا يستفيد من ذلك شيئا إذ يعود في نهاية اليوم إلى وكر ( عريش أو كوخ ) في أطراف المدينة. و هي حالة ليست بالطارئة . بل عمرها مائات السنين. و ظل التسول تجارة من لا ضمير له، و لا كرامة له .يزاوله طوال عمره . و لا يستفيد مما جمع . حتى يموت ، و قد يتركه جميعه لمن لم يتعب في جمعه ، و لم يرق ماء وجهه ... * (10) أدرك وهـو على فراش الموت ،أدرك أنه نسي أن يـعـيـش . ' أدرك ' ومضة ليست جديدة ؛ كفكرة . و لكنهّا تذكر بما يعاد ، و يتكرر، و يغفل عنه الغافلون .إنّ الإنسان وهو في غمرة مشاغله ، و طموحاته ، ورغباته .. يجد نفسه في سباق نحو المجهول . يرسم أهدافا . و يحدد مرام .. قد يحقق بعضها ، أو جلها ، و قد لا يحقق شيئا يذكر .. حتى إذا ما أعياه السّباق الطويل ، فوقف مجهداً كسيراً ، و قد نال منه التّعب ، وهدّه الوصب ...فيجد الحياة قد ولت. و أنّ السّباق استهلك أيّام العمر إلا قليلا. كما استهلك الصّحة و الشباب فما أبقى إلا جسداً مهيضاً تنخره العلل .. فأنّى له من لذّات الحياة ؟ و كأنّي به لم يعش إلا يوماّ أو بعض يوم . الخلاصـــــــــــــــــة : 1 ـ عدم توظيف الألفاظ بمفهومها العامّي ، تجنبا للخلط و الارتباك . 2 ـ تجنب الغموض المقصود،أو غير المقصود الذي سببه كثرة الحذف . 3 ـ العناية بالعلية و السببية في طرح الحدث . 4 ـ تجنب التناقض في المعنى ، أو السياق . 5 ـ يستحسن العناية بالقفلة ، و خلوها من الشّطط . تحياتي / د مسلك ميمون

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق