الأستاذ الدكتور مسلك ميمون

الأستاذ الدكتور مسلك ميمون

الأحد، 29 يناير 2012

قراءة في عشر قصص قصيرة جداً للقاصة السورية دعد يونس

قراءة في عشر قصص قصيرة جداً للقاصة السورية دعد يونس


بسم الله
السلام عليكم



قراءة في عشر قصص قصيرة جداً


للقاصّة السّورية دعد يونس



تقول القاصّة عن نفسها :
دعد يونس
الجمهورية العربيةالسورية
من مواليد حمص سنة 1972
متزوجة ولي ستةأبناء
أكتب الخاطرة، وأحاول كتابة ق ق ج
ولي بعض المقطوعات الشعرية ...


(1)


وكـــان حبـــــاً...


اليوم على هذا الشاطئ المهجور
ظهر...شاحباً ....نحيلاً ....من أعماقكيانها
أيقنتْأخيراً أن بهذا الحب كان هلاكها
دعد يونس تستهويها '' الومضة '' و هي غير القصة القصيرة جداً و إن كان البعض عن غير سابق علم و دراية يخلط بينهما، بل يعتبرهما مسميان لمسمى واحد . فالقصة القصيرة جداً ، تسمح بتطور الحدث و تبلوره ، بل هي اختزال و تكثيف مبالغ فيه للقصة القصيرة ، لذا نجد ها تحمل جل ملامحها. على عكس '' الومضة '' التي تكتفي بعرض الحدث بطريقة ما دون أي شيء آخر . بمعنى يبقى الحدث كمادة خام ، لا تعرف تطوراً و لا تحليلا ...و إنما يكتفي السارد بلفت الانتباه إليها بطريقة فنية ، ذكية . كما هو في هذا النص '' كان حبا ''
لا نجد حدثا متطوراً ، بل حدثا يتلخص : في الظهور الشّاحب النّحيل لما كان حباً . و يأتي الاستخلاص و النتيجة أنّه كان هلاكها.و بذلك يتلخص النص في عبارة: ( ومن الحب ما قتل )
في النّص توظيفات رمزية [ الشاطئ المهجور ( خريف الحب و العشرة ) شاحبا نحيلا ( سمتا ما انتهى إليه ''ما كان حباً'' ) هلاكها ( خلاصة وهم الحب ) ] إذاً ، الومضة هنا لم تأتي قابلة للتأويل ، بل جاءت محددة، و إخبارية تقريرية : (أيقنتْأخيراً أن بهذا الحب كان هلاكها ) و الأفضل في أسلوب الومضة أن تترك علامة استفهام أو تعجب، و أن تتجنب قدر الإمكان السارد العليم المهيمن ، و أن تكون القفلة مشرعة على تأويلات شتى ...تسمح للخيال أن يحلق بعيداً ..


2-
راحةوسكينة


دخل وجلس علىالأريكة مثقلاً ..
بنظرة منها نفض غبار الأسى عن وجنتيه
وبصوت هامس قالت له: (أحبك )




''راحة وسكينة '' ومضة أخرى تتماهى و الآية الكريمة ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنواإليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة ، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)سورة الروم / آية 21، في النص يعود الزوج متعباً ، مثقلا بهموم الشّغل ، و ما يتطلبه من جهد ،و تدبر، و عمل، و خلاف، و تصادم، و إخفاق، و نجاح ... فيتهالك على الأريكة منهكاً و ( بنظرة منها نفض غبارالأسى عن وجنتيه ) لم تكن نظرة عادية ، بل كان بريقاً من الحنان و المودة و شلالا من الرقّة و الوداعة .. ف (نفض غبارالأسى عن وجنتيه ) و بكلمة في همس رقيق (بحبك) تناسى كلّ شيء ( وأسلم جفنيه إلى غفوة مطمئنة) كطفل صغير : ذاك فعل النظرة و الكلمة .


و بذلك يجسد النّص ( الومضة ) ، منطوق الأية الكريمة الأنفة الذكر . و يرسم معالم المرأة التي عشرتها أساسها التّساكن و الرحمة ، و المودة ، و الراحة ..
فقد جُبل الإنسان أن تسترضيه كلمة أو كلمتان صادقتان من إنسان عزيز يكنّ له الحبّ و التقدير . و قد يفعل ذلك فعل السّحر .


فنياُ :كان التأثر ، و الاستيحاء واضحاً .. و كان من المفروض توظيف المفارقة، و الاهتمام بالقفلة Résolutionفي


حالاتها المتعددأهمها المفاجأة . حتّى يكتسب النص صبغة الومضة الكاملة ، و يحيد عن أسلوب الإخبار و التّقرير ، و




و الانعكاس، أو الإسقاط المباشر .




3-


انهيــــــار


كانت تظن بأنها ابتنت هرماً
وذات عصفٍ وجدته ينهار
فانزوت تلملمالشظايا


''انهيار '' نص ممعن في الإيجاز و التّكثيف ، و معبر و ينفتح على رؤى و احتمالات...
لأشدّ ما نبني ممّا نعتقد صروحاً و مباني يخطئها العدّ .. و نعتقد أنّنا أحسنا صنعاً .. و لكن في أوّل رجّة ينهار كلّ شيء.. و كأنّ ما بني كان على جرف هار بدون أساس .. و السّبب أنّ العملية من أوّلها بُنيت على الظّن ، لا على العقل و المنطق . (كانت تظن بأنها ابتنت هرماً ) و الظن لا يغني عن الحقيقة شيئاً ، لأنّه مجرد وهم ،و تخيل، و حلم .. ما أن يطلع ضوء الصّباح حتّى تنجلي الحقيقة بينة واضحة ، و لا يملك معتنق الظنّ إلا أن ينزوي ،متلاهٍ بآثار العاصفة التي عصفت بكلّ شيء.
همسة : عدم إهمال علامات التّرقيم لأهميتها .
( بأنها ) الباء زائدة و يستحسن حذفها .




4-
ألـــــــــــــم


برغم ما احتشد من أشواك وعقبات في طريقهما
مشيا يحدوهما قلبانتوافقا المسير
وكم أدمى قلبهاعندما
لاح له طريق لا عقبات فيه ولاأشواك


'' ألم '' نص بني على أساس صورتين متناقضتين ، صورة الطريق المليء بالأشواك و العقبات و كيف اجتازاه معاً بقلبين متلائمين متوافقين . و صورة الطريق ( المضاد ) الخالي من الأشواك و العقبات و كيف أدمى قلبها إذ وجده سهلا و متيسراً ...و النّص بذلك يتلخّص في العبارة المأثورة : ( الذي يأتي بسهولة يذهب بسهولة ) Easy come , esay go فطريق العشّاق محفوف بالمتاعب ، و ذلك بمثابة المحفز الذي يشحذ العواطف من أجل المضي بعيداً ، و بلا كلل و لا ملل .. و كلّما كان الطريق سهلا يسيراً .. كلّما بخست قيمة كلّ شيء ..لأنّ العلاقة تفقد طعم الاستمرار، و لهذا ورد في النّص : (وكم أدمى قلبهاعندمالاح له طريق لا عقبات فيه ولاأشواك . )
همسة : ــ نقول: توافقا على المسير .
ــ مراعاة علامات التّرقيم .


5-
خيبـــــــة


غيرآبهٍ ....
بكاملأناقته ...بقامته الفارعة ...وخطوات متقنة
غـادر ترك خلفه زوجة وأولادوركاماً منالخيبات
'' خيبة ''ومضة أخرى ،ترسم حالة البعض ، الذي يستهويه
التّأنق في زيه و مظهره.. و يفقد الإحساس بالمسؤولية و الواجب ، و هو من النّمط الذي يغترّ بنفسه ، و يتلذّذ بذاتيته ، و لا يقيم للأخر وزناً ..حتّى و إن كان من أقرب النّاس إليه : كزوجته و أولاده .. بل لا يهتمّ بركام ما يترك خلفه من رزايا و خطايا ، و بلايا و قضايا....
ــ العنوان '' خيبة '' يوحي بأنّ الأمل كان كبيراً ، في أن يكون رجلا يقدر الواجب و المسؤولية ، و يعتني بأهله و أطفاله ، و لكن خاب فيه الأمل , و العنوان بذلك كاشف للموضوع . فمنه يتوقع القارئ ( خيبة أمل ) ما، و هذا يجعل النّص و كأنّه مقروء من العنوان .
همسة : نقول ــ ترك خلفه زوجة وأولادا.


ــ مع مراعاة علامات التّرقيم.


6-


انتظـــــــار


حملت الوردة
وصلت الحديقة
جلست على نفس المقعد تنتظره
مر الوقت وهي تراقب بحزن
ذبول الوردة


نص يختزل معاناة الانتظار، بدون جدوى . و لكنّه يثير بعض الأسئلة ذات البعد الدلالي :
ــ كيف يعقل أن تحمل المرأة وردة لعشيقها ؟
ــ أليس من الطبيعي و المتداول أن يكون العكس ؟ و أن يكون المنتظر هو الرّجل ؟
ــ ماذا لو غير الضمير من هي إلى هو؟
فيصبح النّص كالتّالي :
حمل الوردة.
وصل الحديقة.
جلس على نفس المقعد ينتظرها.
مرّ الوقت وهو يراقب بحزن ذبول الوردة ..


همسة : النص يفتقر إلى علامات التّرقيم .


7-
قــــــرار


جمعت حب قلبها الدافئ ووضعته فيقارورة
أحكمتإغلاقها
رمتهافي بحر النسيان
وأبحرت في محيطات الخواء.....


حينما يقرّ قرارنا ، معنى ذلك الوصول إلى نهاية الاحتمال و الصّبر. إذ لا صبر فوق الصّبر المحتمل . و القرار قراران : إمّا قرار عقلاني راشد . و إمّا قرار طائش فاسد .. يقـــود صاحبه إلى التّهلكة و الضّياع .
في النّص قرار اتّخذ . بقطع علاقة سادت ثمّ بادت . لأنّها كانت محكومة بالفشل أساساً. فالحبّ من طرف واحد ، كالطائـــر بجناح واحد ، يحاول الطيران فلا يبرح مكانه. لذاك جاء مطلع النص : (جمعت حب قلبها الدافئ ) فالأمر يخصها وحدها . أمّا الطرف الأخر لاهٍ ، و منشغل ، و لديه العلاقة ،مجرد تزجية وقت ليس إلا ، و شتّان ما بينهما !! لذا وضعت حبهـا ( الانفرادي ) في قرورة و أحكمت غلقها، و رمتها في البحر ، و ليس أيّ بحر مما نعرف من بحور الدنيا ... !! فلو فعلت في بحر عاد، لصادفت القنينة عاشقاً مغموراً، يستجيب لحب جريح، و لكن البحر المقصود ، بحر النّسيان . الذي أغرق القنينة و ما فيها من حب إلى الأبد . و لم يترك لعاشقة الوهم إلا الإبحار في أقيانوس الحيرة،و الضياع،والفراغ،و الخواء ..
النّص ومضة معبّرة ،استعارت التّراسل عبر القنينة في البحر ، و لكن لا لتطلب النّجدة و الاستغاثة .. و لكن لتتخلص من خيبة حبّ فاشل .
همسة : النص في حاجة إلى علامات استفهام.


-8
حلم ربيعــي


وريقات العمر تأبى الاصفرار
عناقيد البنفسج تشعل الأيام اخضرارا
عندما لاح خياله ..
قالت:تعال ...
تعال تعطر بأنفاسي وبادلني قليلاً من فرح عينيّ برؤياك
ولكن..!!!! لا تُطل الوقوف على أعتاب جراحي أخاف عليك من تمرد نوارس حزني فقط ..ازرعني بنفسجة ندية في حنايا روحك
؟؟؟؟؟
واستسلمت للحلم


استوقفني هذا النص ، لأنه ليس ق ق ج ..بل هو مضمخ بأسلوب الخاطرة ، و مندى بأندائها الرومانسية (وريقات العمر تأبى الاصفرارعناقيد البنفسج تشعل الأياماخضرارا )غارق في الشعرية (تعال تعطربأنفاسي وبادلني قليلاً من فرح عينيّ برؤياك .
و لكن !!! لا تُطلالوقوف على أعتاب جراحيأخاف عليك من تمرد نوارس حزني فقط ..ازرعني بنفسجة ندية في حنايا روحك )
و سواء أسلوب الخاطرة ، أو اعتماد الشّاعرية فكلّ ذلك و بدون احتراس يوقع النص على هامش الحكي. فيغرق في البوح، و يفقد أهمّ دعامة أساسية في بنائه المعماري ، ألا و هي السّرد .


همسة : (وبادلني قليلاً من فرح عينيّ برؤياك) بدون (من ) أحسن




ــ 9


كذب وحب


صحت من حلم جميل
لتعيش الواقع الأليم
تركها ...تركها وذكرياتها
وأكاذيبه المحببة لنفسها
كانت تعلم أنه يجانب الصدق وكانت مستمتعة
وتقول في نفسها هل من مزيد ....!!!!ياليته بقي وأكاذيبه ...!
تُرى هل صحيح أن بث العواطف يُدخل الراحة إلى النفس حتى وإن كان كاذباً ...؟؟؟؟


....................................
لأشد ما يستوقفني في العمل الإبداعي :البنية و الأسلوب ، و نادراً ما يكون سبب توقفي مضمون النص . ذلك لأنّ الأفكار رائجة ، و لكن التّعبير عنها، و إخراجها في حلة فنية رائقة ، و إبداعية شيقة ... ذاك ما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، لأنّه يجسد الإبداع، و يميز هذا عن ذاك .
و لكن حين يحدث أن تكون فكرة النّص هي سبب التّوقف . فإمّا أنّها طريفة ، و إمّا أنّها مُهمَلة رغم أهميتها ، و إمّا أنّها تتضمن مفارقة اجتماعية نفسية . و هذا النوع الأخير هو ما جاء في هذا النّص . ( الكذب و الحب ) لأنّ السّؤال الذي يتبادر إلى الذّهن: ( هل يجوز الحب مع الكذب ؟ ) حتماً : لا . و لكن لماذا البعض يستعذب الكذب و هو يعلم أنّه كذب ؟
ذاك ما جاء به النص (صحت من حلم جميل ، لتعيش الواقع الأليم ، تركها ...تركها وذكرياتها ، وأكاذيبه المحببة لنفسها) مسألة عادية أن يكون الكذب قبل اكتشافه حلماً جميلا . و مسألة عادية جداً أن ينقلب كابوساً فظيعاً و قد انكشف .. ها هو، و بعد انتهاء حبل الكذب، وحبله قصير ، سرعان ما تركها لذكرياتها و أكاذيبه ...
و المشكلة ليس في ذلك ، إنّما في كونها (كانت تعلم أنه يجانب الصدق وكانت مستمتعة. وتقول في نفسها هلمن مزيد ...!! ) هذه هي المفارقة النّفسية الغريبة .
بل أكثر من ذلك ، و هي المخدوعة ، و المتخلّى عنها ...ترغب و تتمنى أن يبقى الأمر على ما كان عليه : ( يا ليته بقي وأكاذيبه ...!) و في هذا، تعميق مرضي للمفارقة .
أمّا من حيث بنية النّص ، فهي بسيطة ، تقريرية ـ و في حاجة إلى تكثيف و حذف ، لأنّ الق ق ج لا تطيق الجملة و بديلها في المعنى ، و لا التكرار إلا لضرورة بلاغية تخدم النّص .
كما أرى حذف السّطر الأخير برمته لمباشرته : (تُرى هل صحيح أن بثالعواطف يُدخل الراحة إلى النفس حتى وإن كان كاذباً ...؟؟؟؟)




10-


تســـــــاؤل


أغراها بأشياء ...وأشياءكثيرة.
نظرت إليه وفي عينيهاتساؤل:
تُرى ما هورقمــــــي


لأشدّ ما يكون الإنسان ضعيفاً.. في مواجهة الإغراء ، إلا من عصم الله. و بخاصّة الإغراء المادي ، في زمن مادي صرف. كلّ الحاجات، و المطالب، و الرغبات ..لا سبيل لتحقيقها دون مال ..فغيبت بذلك أخلاق و قيم ، و مبادئ و خصال ..بل استرخصت حرمات و ابتزّت، و انتهكت أعراض وذلّت ...
في النّص/ الومضة ( تساؤل ) تواجه البطلة إغراء متنوعاً و كثيراً، لجمالها ،و ما حباها الله من رقة و وداعة...
إغراء ظاهره الحبّ و المودة، و الإعجاب و الفتنة . و باطنه يضمر ما يضمر ... ما جعلها ــ رغم أنّ الغواني يغرهن الثّناء ــ تمتلك عقلها ، و تتمسّك برشدها ، فيسعفها السّؤال. و السّؤال أو التّساؤل ، بداية الوعي و التّنبّه ، و اليقظة و التّدبّر..
(نظرت إليه وفي عينيهاتساؤل:
تُرى ما هورقمي )
إذاً هناك إحساس بما وراء الإغراء . لأنّ الحبّ هو نفسه إغراء. و إغراء شريف . و لكن أن نأتي الخليل بإغراء مادي صرف ، و لا نملك من إغراء الحبّ شيئاً يستحق الذّكر .. نكون قد دخلنا لعبة المقايضة، أو بورصة البيع و الشّراء . و الحبّ براء من كلّ ذلك.
لهذا كان التّساؤل : ( ترى ما هو رقمي ) في المتوالية العددية للواتي غرّر بهن بدافع الإغراء المادي ؟
النّص رغم قصره و إيجازه ،و تكثيفه و إضماره .. يجمع بين شخصيتين متناقضتين: راغب جاهز توفرت له أسباب العيش و الّتّمتع.. و مرغوبة لا تملك إلا ذاتها الجميلة ،و وعيها بقيمة طرح السّؤال. قبل الخضوع و الانهيار.


همسة : ( ترى ما هو رقمي ) تدارك علامة الاستفهام .








خلاصـــة : من خلال هذه القراءة يتّضح التالي :


1 ــ الاهتمام بالدلالة الاجتماعية و بخاصة علاقة الرجل بالمرأة و ما يجمعهما أو يفرقهما .


2 ــ اعتماد أسلوب الومضة، أو القصة الومضة Flash story و الإكثار منها .


3ــ توظيف أسلوب الخاطرة .


4 ــ عدم اعتماد علامات الترقيم إلا قليلا .


5 ــ توظيف لغة سردية دلالية عاطفية تعتمد البساطة و الوضوح .


6 ــ اعتماد أسلوب : السبب و النتيجة cause and effect في كلّ النصوص .


الأستاذة دعد يونس جاءت الق ق ج من بوابة الشّعر ، و هذا أفادها كثيراً فيما يتعلق بالتّكثيف اللّغوي ، و الحذف و الإضمار، و توظيف ما يخدم الفكرة ، من ألفاظ و تراكيب تعبيرية تمازجها شعرية الشّعر ، و طلاوة الخاطرة ...




تحياتي/ مسلك



عشر قصص قصيرة جداً/ د. مسلك ميمون



عشر قصص قصيرة جداً/ د. مسلك ميمون


مسلك ميمون


حين قالوا عنه إنّه أحمق . قلت كيف يكون أحمق و هو يحبّني ؟




ـ 1 ـ


وجد الفقيه الجلالي نفسه في مركب صيد في عرض البحر. لاحظ أنّ معظم البحارة لا يصلون . أقلقه ذلك فقال لهم: لقد أضعتم نصف حياتكم. حثّهم على الصّلاة . انتفضت عاصفة قوية . ذعر الجميع . تمسكوا بالحبال خوفاً .


قال بحار للفقيه : أتحسن السّباحة ؟


هزّ الفقيه رأسه نافياً ، و عيناه جاحظتان ذعراً.


قال البحار آسفاً: لقد أضعتَ حياتك كلّها .


ـ 2 ـ


رحّب به الرّاهب و دلّه على حبل الجرس . ثمّ سأله : هل أنتَ متعلم ؟ قال : لا . اعتذر له عن عدم تشغيله .. وجد مبتغاه بعد ذلك في التّجارة .. أصبح تاجراً كبيراً. أقام وليمة للوجهاء و الأعيان ... تحدثوا و أطنبوا في فضل العلــم و الثّقافة... اغتاظ و أسرّ في نفسه : لو كنت متعلماً لبقيت العمرَ أقرعُ الجرس .


ـ 3 ـ


قال :إنّ ثلثي النّاس في بلدي هكذا: قد ينقطع القطرُ ، يعمّ البلاء


و الفقرُ ، تغلا المعيشة ، تنتهي الذّخيرة ... يبكون و يتأوّهون .


و قد ينزل القطرُ ، يعمُّ الرخاءُ و التَّمر ، تبسط المعيشة ، تكثر الذخيرة ، يبكون و يتأوّهون !!


قلت مستفسراً : و الثلث الباقي؟ !


قال : ذاك كسرٌ من الكسور ...






ـ 4 ـ


لمَّا اشتدّ عوده . قال لي لنتسابق .


كان الطّريق طويلاً .


و الحرّ شديداً .


قلت : لنتسابق .


حين وصلت و أنفاسي تكاد تتقطّع . كان هو في نقطة البداية،يُرتّق نعله .


ـ 5 ـ


خرج متسللا قبل طلوع الشمس، يتحامل على المشي، معتمداً عصاه بتؤدة ،جلس عند قبرها ، كان حزينا . جال ببصره في العتمة. القبور شواهد منتصبة . شعر بقشعريرة ، وصوت أجشّ يخاطبه :


ــ أستبقى تزور قبرها كلّ صباح ؟


ردّ على الحارس بصوت متهدج :


ــ ألفت إيقاظها لصلاة الصّبح .


ــ لكنها ماتت .. !؟


ـ حقاً .. و لكنّني لا زلت حياً .


ــ ................. !؟


ـ 6 ـ


كان في الشّارع العام ، قرب المستشفى . بثياب رثّة ، و لحية كثّة . يبيع.. لا أدري ماذا كان يبيع . صوته يتناهى مجلجلا . جبينه يتفصّد عرقاً . حوله بعض النّاس ينظرونه بغرابة .ابتعدت قليلا . ثمّ عدت أدراجي يحدوني الفضول . اقتربت أكثر فأكثر، لم أر شيئاً يباع:شاب في مقتبل العمر، يصرخ وسط الجمع :


ـ دمي للبيع ، من يشتري دمي؟ كليتي للبيع ، من يشتري كليتي ؟


ـ ............................................... !!!


ـ 7 ـ


لأنّني لم أرغب في إحراجه ، قلت له : إنّ لبنان بجانب سوريا . اندهش من كلامي و قال ممتعضاً : أعجب لك يا أخي ، لماذا لا تقول : سوريا بجانب لبنان ؟


تجنباً لإحراجه قلت : ليكن ، سوريا بجانب لبنان .


ازداد امتعاضاً و قال بحدّة : لماذا ليكن ؟ فهو كائن .


تجنباً لمزيد من الإحراج ، ورغبة في التّفاهم قلت : فهو كائن .


نظرني مندهشاً حائراً ، متلاعباً بنظراته ، ثُمّ قال : ما هذا الذي هو كائن ؟!


ــ ...............................................؟!


ـ 8 ـ


كان يحدثنا كثيراّ عن حسن السّلوك . كنّا صغاراً لا نفهم ذلك.


قال لنا يوماً : معلّمكم هذا هو السّلوك.ازداد الأمر اضطراباً وغموضاً.


في البيت : قال عمّي لأبي و هو يحاوره : انتهى السّلوك الطّيب ومات .


اندهشت، قلت لزميلي : غداً عطلة .


قال: إلى متى ؟ !


قلت : إلى أن يأتينا سلوك جديد .


ـ 9 ـ


حين قالوا عنه إنّه أحمق . قلت كيف يكون أحمق و هو يحبّني ؟ تركوني ، انصرفوا . أمّا هو ظل ينظرني ببراءة و يبتسم . جاء بلحام مشتعل . قلت ماذا تريد بهذا ؟


قال مبتسماً بسمته البلهاء: يريدون فرقتنا .. أنا ..أنا أريد لحمتنا .


هربت من نار لحامه المتأججة صارخاً : أحمق .. أحمق ..


نظرني و قد غابت بسمته ، ثمّ قال : حتّى أنت ..؟!


ـ 10 ـ


دخل الشيخ المعطاوي الطائرة ، ألقى نظرة على الأرائك المملوءة ، لفت انتباهه مقعد في المقدمة ، جلس وغطّ في نوم . نبهته المضيفة أنّ مقعده في الدرجة الثّانية ، تفحّص المقاعد، ثمّ أصرّ أن يبقى في المقدمة، عادت ونبهته أنّ المقاعد مرقّمة حسـب درجتين ، لم يكترث، تدخل شاب في الجوار،همس في أذنه , فهبّ الشيخ ضاحكاً إلى الدرجة الثانية. اندهشت المضيفة، وشوش الشّاب:قلت له فقط ، مقاعد المقدمة، خاصّة بالعزاب .


ـــــــــــــــــــــــــ


ملاحظة: لا أضع عناوين لقصصي القصيرة جداً ، و أكتفي بأرقام أو نقط . و أرغب في أن يشاركني المتلقي الكتابة ، فيختار العنوان بنفسه .

'' الموضوع النفسي '' في مجموعة''امرأة بزي جسد ''للقاصة العراقية وفاء عبد الرزاق




'' الموضوع النفسي '' في مجموعة''امرأة بزي جسد ''للقاصة العراقية وفاء عبد الرزاق




القاصّة والشّاعرة وفاء عبد الرزاق ، الموهبة الثّرة المعطاء، العربية العراقية ،التي أغرقتها الغربة في بريطانية بعيداً عن الوطن، و لكن الوطن يسكنها ، و يشدّها إلى مرابع الذكريات في البصرة . فرغم أربع مجموعات قصصية: (1- إذن الليلُ بخير. 2- بعضٌ من لياليها.3- امرأةٌ بزي جسد . 4 ـــ نقط ) فقد ظلت ُتعرف شاعرة و بخاصة في الشّعر الشّعبي . لانحدارها من أسرة شاعرة : الأم ، و الأب ، و الأخ الأكبر ..و لكن رغم ذلك فهي قصّاصة و لوعة بفن السّرد و السّرديات .
و تهمّنا في هذه الدراسة مجموعتها الثّالثة : ( امرأة بزي جسد ) التي جاءت في حجم متوسط، و تتكون من إحدى عشرة قصة : ( لها ، لي ، لا أعرف ــ أربع أقدام وسطح ـ مقلوب سائق ــ تحت ظل البياض ــ مزميهراء ـ طفل بصحن هريس ـ امرأة بزي جسد ـ حافلة ، زاوية ، و قطار ـ عقاب أم ثواب ـ غزو جراد ـ حفلة في حاوية زبالة) و ذلك عن دار الكلمة نغم سنة 2008 وصمّمت الغلاف الفنانة انتصار صبري .
إنّ الموضوع في القصة القصيرة عموماً ،و في قصص وفاء عبد الرزاق يأخذ أبعاداً مختلفة ؛حسب ثقافة القاص، و بعد نظره، و طريقة طرحه فنياً . فالموضوع أحياناً يطرح في القصّة . و يأتي كمادة إخبارية، أو تقرير عن حادثة ، و أحياناً يكون وسيلة جدال و صراع و أخذ ورد بين الشّخصيات التي تعكس واقعاً معيشاً.و أحياناً أخرى يحجب الرّمز أو كثرة الكلام و تداخله.. كلّ معالم الموضوع ..
و في جميع الأحوال لا يمكن الحديث عن نص سردي قصصي دون موضوع / حدث . بل أساس البناء الفنّي و قوامه ، و جود فكرة ما ، لا يهم صدقها من كذبها ،من واقعيتها من خيالها ... المهم الأساس هو الوجود الفعلي .. و كلّ الأشياء الأخرى تستتبع ذلك على التّوالي ســواء في عملية الإبداع و التّكوين . أو بعد ذلك في عملية التّحليل و النّقد و الدّراسة ..


*


عودة لمجموعة ''امرأة بزي جسد '' فإنّ المواضيع تختلف في دلالتها و كنهها ،و بعدها و إشكاليتها .. كما تختلف في طرائق طرحها و بنائها فنياً.و ليس الموضوع في حد ذاته إبداعاً بل الإبداع في كيفية و طريقة تقديمه للمتلقي، في صورة تسمح بالتّفاعل. و في هذه المجموعة اعتنت القاصّة بالبعد النّفسي . و نسجت عوالم قصصية نفسية ..
ففي قصة ( لها، لي، لا أعرف) الموضوع نفسي تبدأ القصّة ب ( فعلا لا أعرف..) و تنتهي ب ( لا أعرف . ) و الموضوع محاولة رؤية الذّات من الخارج . فالغالب الأعمّ أنّ الرؤية داخلية تعتمد الإحساس و الشّعور .. و هو في جميع الأحوال شعور متبلد، استكان لواقع ما ، و تكيّف و وضع ما . على خلاف الرؤية من الخارج التي تتّسم بالموضوعية و الحياد ، لهذا تدفع إلى الدهشة و التّساؤول : ( فعلا لا أعرف ، على حدّ علمي أنّها اغتسلت في حمامي استخدمت منشفتي و عطري المفضل ... ما لا أعرفه أنّ خروجها من الدار زامن خروجي بالضبط ....
تعثرت بمنخفض في الشارع ، ما كدت أرفع نفسي عن الأرض حتى وجدتها أمامي تناولني حقيبتي بعد مسحها إياها من ماء مطر راكد في الحفرة ، دافئا كان وجهها ، وجدته صورة لجدتي ، و رائحة أختي الكبرى ، تسلل قلب أمي من نظراتها بحزنها المقوس الرقيق ، ابتسمت لها وغادرت . .. ناولتني الفاتورة ، أخذت المفتاح من يدي و دخلتْ .
بخطوات جريئة صعدت السلم فتحت دولاب ملابسي، خبأت حقيبتها المتواضعة ، ارتدت نعلي الخفيف أعدتْ لها كوب شاي و جلست تتفرج على شاشة تلفازي ..)


هذا الاقتباس لتصرفات الأخرى مع السّاردة يبن أنّه غير عاد، و لا يمكن لضيفة صديقة أو غير ذلك ،أن تتصرف هكذا بحرية مطلقة . الشئ الذي جعل السّاردة في قمّة الدّهشة و الغرابة تسألها : (من أنت؟ فأجابت : لا أدري ، أجبتها : و أنا لا أدري ) و كذلك الأمر حين تنظر الذّات إلى نفسها من الخارج . فكثير من تصرفاتنا التي لا نؤمن بها قد نقوم بها فعلا و لكن هل نستطيع إيجاد مسوغ لذلك أو توضيحه ؟ حتماً لا نستطيع . و قد نتبرأ من ذلك و نوضح بأنّنا لسنا في مستوى فعل عمل كهذا،و لكن لماذا الآخر/الأنا، قام به ؟ ذاك مصدر الحيرة و الدّهشة و كأنّنا أمام ازدواج الشّخصية، و هو مرض نفسي بالدرجة الأولى، على عكس الفصام الذي هو مرض عقلي. و من تمّة كان العنوان '' لها، لي،لا أعرف'' و تلك حالة المريض نفسياً يشكو من عدم المعرفة و الفهم ، و لكن لا يتورّع في طلب المساعدة .


في القصّة الثّانية: ( أربع أقدام وسطح) .
ــ في القدم الأولى :نصادف العامل النفسيي، بشكل غرائبي . تتحول السّاردة إلى قدم . مجرد قدم ، تتمنّى ،و ترغب أن تصل إلى السّطح ( كهدف ) لكن المرتقى صعب ، و ثلاثون درجة تتوسط الفراغ تزيد الأمر خطورة و صعوبة.. إذا لابدّ من سنـد . فجاهدت القدم أن يكون لها ذراع تستند عليها ، أو ركبة تحركها لكي و كما قالت : (أعترف لنفسي أنني حاولت ) ص10 كما تمنت أن تكون لها قدم ثانية.و في خضم هذا تحققت الأمنية بشكل آخر و ذلك،بأن أصبحت القدم على شكل عنكبوت قادر على القفز .و عمل الوهم، و الاستعداد على تقبله، بأن أصبحت القدم غير القادرة بدون سند الوصول إلى السّطح تؤمن بأنّها عنكبوت : ( أنا ''عنكب'' و لمَ لا ؟ سأتخيل أني هو و أبني شبكتي كي لا يعبره الآخرون و سأتغذى على على دماء المتطفلين المتسللين و أبصق عليهم . إذاً أنا عنكب، عنكب أنا و لوما عليكم أن تعرفوا قدراتي ، فأنا أعرف المسلك المؤدي إلى السطح ، سأكون لائقاً لعنكب و أتسلق ، هي حكمتي في التمرد ..) ص11
لو عدنا إلى النّص سنجد دلالات نفسية وظفتها الكاتبة : ارتقاء السّلم ، الفراغ الكبير ، بيت فارغ ، أتخيل ،سأرى العالم ، جاهدت طويلا، لأصعد أول السلم ،ضعف نفسي، أنني حاولت، و ددت أن تكون لي ، قدرتها على القفز، سأتخيل أنني هو، أبني شبكتي ، سأتغـــذى على دماء المتطفلين، أن تعرفوا قدراتي، سأكون لائقاً لعنكب ، حكمتي في التّمرد، سأنطلق..
هذا زخم من الألفاظ الدالة عن نفسية تعاني من وضع محبط، و لا تملك سنداً، إلا التّخيل و الحلم بالوصول إلى القمّة ( السّطح) .


ــ القدم الثانية : و هي في أوّل درجة السّلم حائرة في الصّعود المستحيل. تستمع إلى كلب في الدّرجة الثلاثين، يتمتع بنباحه الذي ينعش أفكاره، و يذكره بهيئته الكلبية و يهز ذيله فرحاً بما يقدم له صاحبه من بقايا عظام وليمته. و لا تخيفه اللّيالي الحالكة .
بينما القدم في الأسفل تحاول أن تقنع نفسها : ( لست قدماً مبتورة بل أحترم البتر ، و أحبّ البرص لكون ذيله ينمو و إن بُتر ، كما أحبه و هو لا يأبه لاشمئزاز الرائي إليه . ) ص12
بينما يتساءل الكلب و هو في الأعلى : ( بماذا تطمح هذه القدم ؟ أزعجتها بنباحي و أزعجتني أفكارها ) و ما أفكارها؟ ذاك ما ذكّر الكلب به القدم إذ قال لها ''.أنت مجرد قدم يراودها حلمها الملتهب لرؤية قمر السّطح ستبقى هذه الرغبة تنهش أحشاءك .'' و كما نلاحظ أنّ في القدم الثّانية جملة من الألفاظ ذات الحمولة النّفسية : ( يستحق الاعتناء، ينعش أفكاري،يذكرني،أحبه، أتقمصه، فرحا،تخيفني، تخيفهم ، رؤية الأشباح، اشمئزاز،تطمح، أزعجتها،يخجلني،يراودها ، حلمها، الرّغبة،بهجتي ..)


ـــ القدم الثّالثة : بعد كلام يشبه الهلوسة : ( ملعون من تقوده قدم خنزير . لكن لمَ اللعنة ؟ هل أحاول إرضاء من يجيد النّوم على قفاه ؟كل حر بقفاه . رغم متعة هذه الحرية إلا أنّه يتوسل الإنسان بداخله أن يفسر له الأشياء...) و يستمرالكلام المتداخل ..إلى أن تعود القدم إلى نفسها فتعرب : ( ليس من عادتي صعود السّطح ، بل أشير بإصبعي ينزل من فيه ، أجعل للحمير أجنحة و أطير عليها حيث أقتادها إلى السطح .)
قدم أخرى بنفسية مختلفة ، لا تحدوها رغبة الوصول بجهد و مجاهدة . بل تشير و تأمر فيلبى طلبها بل إن أرادت الارتقاء تجعل للحمير أجنحة و تطير عليها إلى أن تصل السّطح .
فهي قدم انتهازية وصولية . تعيش عالة على الآخرين ( الحمير) و ما الانتهازية إلا ضرب مرضي نفسي تعززه الأنانية المفرطة و حبّ الذّات ، و التّنكر للجميع و تعبر عن ذلك ألفاظ منها '' خنازير ، اللّعنة ، النّوم ، متعة ، مرؤوس ، رئيس ، رائحة نتنة ، دابة ، المتوحشين ، أشير ، الحمير ، أطير ، السّطح ..''


ــ القدم الرّابعة : قدم بقيت في أوّل درج من السّلم تتأمّل الذين هم فوق السّطح؛ من أقدام راقصة . فتشعر بأنّهم في حاجة إلى تعزية، و تقول في سرها : ( أنا قدم جسور تبحث عمن يطيل الحياة و يستشف أبديتها و هم يزدادون ارتقاء بقصرها . ) ص15 كلام يسوغ عدم القدرة على الصّعود و الارتقاء ، يزداد وضوحاً حين تطلب من السّلم الخشبي أن يعود سيرته الأولى و يصبح شجرة : ( ارجع حيث كنت ، الشجرة التي أسقيتها طفولتي ، إني أراني أغنى الناس بك .. لنا جادتنا و لهم السّطح .) قدم ، فقدت الأمل في الصّعود و الارتقـاء و أرادت أن تستسلم لواقعها دون مجاهدة و لا احتيال و لا وصولية . و هي نفسية خاملة تريد الواقع كما تشاء ، سهلا خيالياً ميتفزيقياً ..لا كما ينبغي أن يكون . و لها ألفاظها النفسية : ( اعتراضي ،(عدم ) الصعود، ترقص ، يرقصون ،ضجيج الأقدام ،أتخيل ،تعزية ، يستحقون ، السلم طفيلياتهم ، تزحف ،أوحالهم ، يدك بيدي ،لنا جادتنا و لهم السّطح ، أذهلني الحلم ، أهذي بافتراضاتي )


أمّا قصة ( مقلوب سائق ) قصة ساخرة يتحول فيها السّارد إلى طاكسي بدل حمل النّاس يحمل أنواعاً من السيارات كلّ يوم، و كلّ سيارة تحكي قصتها مع مالكها. و كانت أوّل زبونة :
ـ من أين البنية ؟
ـ يا غبي من عائلة '' شفرولي '' الأصيلة .
ـ عذرك ما قصدت الأصل و اسم العشيرة بل لمن ترجع ملكيتك يا رقيقة العود وعذبة الكلام ؟
ـ أنا أعود لموظف في شركة النفط اسمه '' عايف زهقان'' متزوج من ثلاث نساء لكلّ واحدة أربع بنات لم يرزقه الله بولد، عذبوني أولاد الكلب ....
ثم تستمر في الحديث عن زوجات مالكها . و تنتقل للحديث عن غزلها ب ''بي أم '' و كيف خذلها و تزوج المرسديس و تعجبت كيف أن الذكور لا يقنعون بواحدة . لما نصحها الطاكسي أن تعامله بالمثل اعترضت لقيمها و مبادئها ثمّ إنّ أخاها '' شفوري " يحبّ أخت '' بي أم '' '' بي أمّاية" طمعاً في القصر و الخدم و الحشم و السفرات للخارج و الألماس و الفلبينيات ..
ثمّ هي لا تريد العودة إلى مالكها عايف لأنّه في زيارة لحبيبته الجديدة و رخصّ لها أن تذهب بعيداً كي لا يعرف من رقمها . و حين الأداء قدمت ساعة ثمينة، لأنّها لا تحمل نقوداً معها .
فودعته بعد أن سألته عن اسمه فقال الطاكسي : حافي بن عريان من بني متعب .
فقبل أن تغادر أخبرته عن السّاعة الثّمينة : (زوجة " رولز " أهدت الساعة إلى " بي أم "و أهداها لأخته " بي أماية " و هي أهدتها لأخي "شفوري " و أنا سرقتها منه ...قلت يمكن أحتاجها في يوم ما لمغازلة أو ملاحقة أو سهرةماجنة في قصر " فورد "أو على يخت العم " فراري " و الله أفضل أراها بيدك و لا تلبسها الفلبينية خادمتنا .) ص16
في طريق العودة و عند بائع البطيخ ترك دوره لامرأة مسنة سألها عن اسمها فقالت :
ـ يمه اسمي ''تيوتا '' يمه المالك اسمه "كاسب تعبان من عشيرة مكدود"
فسلمها السّاعة الثّمينة و طلب منها أن تسلمها لكاسب مالكها . في الصباح كان الشارع يعجّ برجال الشرطة الكلّ يبحث عن لص سرق ساعة الوزير " رويلز "
القصّة الرمزية ، انعكاس فنّي لعناصر المجتمع الخليجي و ما يملكون من سيارات فاخرة . وكل سيارة تحكي أسرار مالكها.هؤلاء الملاك،و رغم كلّ الثّراء يعانون من التّعب و أسماؤهم رامزة لذلك في إشارة أنّ السّعادة لا يحققها البذخ و فحش الثّراء، و امتلاك الخدم و الحشم لأنّ السّعادة ليس من جنس المادة . فهي إحساس و شعور ليس إلا. لا يتحقق بالرغبات و تحقيـق الأحلام ، و الغرق في الملذات و الشّهوات . بقدر ما يتحقّق بالقناعة و الاعتدال ..و الرّمز في ذلك إعطاء السّاعة الثمينة إلى تيوتا لتسلمها إلى كاسب .


أمّا قصة " تحت ظل البياض " نص يختلف عن سابقيه بناء و أسلوباً . ولكنّه لا يخرج عن إطار الهاجس النّفسي : أمّ في الأربعين يصاحبها ابنها المعاق ،تركبان إلى جانب السّاردة و يبدأ الحكي . الأمّ عينها على ابنها و تصرفاته . بينما السّاردة تبدو متفهمة للوضع . غير أنّ الشّاب يتصرف على سجيته فتكثر تنبيهات الأم : ( لاحظت ذات الأربعين تراقب حركاته بدقة ، و ترشده بإشارات من عينها ، أو بأصبعها ، لم يأبه لتحذيراتها مد عنقه صوب عنقي ، تشمم رائحة عطري فرك أنفه الأفطس كأنه شم حليبا و سارح زبد فمه مما اضطره لمسحه بكم قميصه المقلم ،مد ذراعه خلف ظهري تاركا رأسه على كتفي مثل طفل . ) ص25
لا شك أنّ نفسية أمّ ترعى معاقاً بهذا الشكل ، ستكون صعبة ، كلّها معاناة و إحراج و ألم لهذا اعتذرت للسّاردة و لكن الطفل/الشاب تمادى في تصرفه ( زاد التصاقه أكثر و كطفل أيضاً ربّما أقل من طفل كرضيع و شمّني بقوة ، هذه المرة شعرت بلعابه يسيل على ثوبي .. ) ص26 فاضطرت الأم محرجة أن تنزل في المحطة القادمة .ساحبة ابنها وسط الزّحام و قد ظلّ مشدوداً إلى السّاردة بوَله.. و عنه تصدر حركات غريبة ( ربّما حلم بعرس ، أو ربّما رائحة عطر الأنثى أثارت عقل طفل ، وجسد رجل منغولي شبق )


ــ أمّا قصة (مزمهراء) فتعالج موضوع الزّواج المختلط بين مسيحية و مسلم، و انعكاـس ذلك على مستقبل الأطفال إبان زواجهم بين المسجد و الإمام،والكنيسة و الرّاهب و محاولة التّوافق بين الدينين بوجود زائرة غيبية يفسرها الرّاهب بأنّها: مزمهراء و لمّا تسأل السّاردة يخبرهــا الرّاهب في الإسلام هناك : زهراء أي فاطمة الزهراء ، و في المسيحية هناك مريم .
و العامل النّفسي هنا ينشطر إلى شطرين في شطره السّلبي الحيرة بين ديانة الأم و ديانة الأب و أيّهما يتبع في مراسم كمراسم الزّواج ؟و في شطره الإيجابي فكرة المرأة الغيبية التي تراقب المراسيم عن بعد، سواء في المسجد أو في الكنيسة و هي (مزمهراء) .والتي هي مسألة تهرب من واقع مرير ، و صراع نفسي مضطرم... ليس إلا .


ــ أمّا قصّة ( طفل بصحن هريس ) فأثر نفسي آخر، السّاردة تحضر و ليمة عشاء فاخر . و لكنّها مسكونة بصور البؤس ،و الجوع ، و المعاناة ..في أماكن عامّة في العالم.. فكيف تأكل و تستطيب الأكل و هذا الذي بداخلها يشغلها و يفقدها الشهية؟ : (شاهدت هيكلا عظميا لامرأة من إفريقيا ... رأيت طفلة لبنانية مشوهة .. حين غرزت الشوكة نبتت شريحة من لحم كف مهروس بقذيفة وقعت في سوق شعبي في بغداد ...) ص 35/36 و تنثال الصّور المزعجة و كأنّها تأنيب ضمير بينما ( هم يضحكون و يتبادلون ورق العنب و الدجاج، غريب أمرهم ألم يروا الأطفال انتشروا في المكان ازدحموا حولي و حولهم،لماذا أنا فقط أراهم،هل هذا عقاب لي لأني تفرجت على صورهم في الكومبيوتر ؟ ) ص36


أمّا قصة ( امرأة بزي جسد ) التي اختير عنوانها كعنوان للمجموعة . فإنّها توغل في العامل النّفسي لدرجة البتر و الفصل . لنتأمل هذا التصدير الغريب : (أرفع رأسي أنزعه كقطعة قديمة ، أضعه على طاولة الطعام قرب سلة الفاكهة ، أتركه يتفرج على ألوانها الزاهية .... لا يعجبه النوم كما لا تعجبه الراحة و لأنه لم يتركني أهدأ لحظة في حياتي انتزعته من رقبتي و تركته يتأمل، فقط يتأمل لا يستطيع أن يأكل أو يشرب، فقد النطق تماماً...) ص40
الرأس بؤرة الانشغال ، و التّوتر، و الأفكار .. مكان الدماغ المتحكم في كلّ الجسد، و مكان العينين الخطيرتين الراصدتين لكلّ ما تدركانه ،و تبحثان في تجسّس و استخبار عن كلّ مالا تدركانه ، ( العينان الأسيرتان ، جسران يعبر عليهما القادم والغادي .. ) ثمّ هناك الشّفتان و لو لا هما لا انقطع حبل الكلام . و لا اختلط الفهم بعدمه و لا ضاعت الحقيقة .. بل هما معاً و بوجودهما ورطتا صاحبهما في مشاكل عدّة . كما في الرأس المنخار و قدرته في تصنيف الروائح و تحديد مصدرها و درجتها ، و هناك حاجبان أسودان و وجنتان و حنك مدور .. عليهما ترتسم علامات الفرحة و الحزن و الاكتئاب .. و من تمّ كان الرأس جامعاً راصداً و عاكساً لما يتعامل في الدّماغ . ثمّ يلفت الانتباه إلى عضو آخر، اليد اليمنى ( لا بأس سأنزعها هي الأخرى قرب رأس تحك شعره و تصفعه ) ثم تقسو الساردة على اليد اليسرى و تسمها (بالعبودية لأنها صالحة للحمام فقط ..لا أحبّكما ، أنتما حماران يسوقكما جسد و رأس ... لست بحاجة لحمارين،أخلعكما راضية..) ص43 و هكذا مع الأمعاء، و القلب، بتر و تخلص حتى تصبح المسألة امرأة كانت بزي جسد . و هذه حالة نفسية ، يصبح الإنسان لا يطيق نفسه و لا شكله و يعمد لمحاسبة نفسه حساباً عسيراً فيقسو على نفسه انتقاماً ممّا يشعر به من إحباط و سودوية ...و هذا ما يعرف في علم النفس بالمازوخية Masochism [1] أو الماشوسية أو الخضوعية أي حبّ تعذيب النّفس ، و هي خاصية شائعة بين النّساء . على عكس السّادية التي يعشق صاحبها تعذيب الآخرين و يجد في ذلك متعة و لذّة ، و هي تخص بعض الرجال.


أمّا قصة :'' نسيج آخر'' فهي أقرب إلى عملية مقارنة بين امرأة عجوز عاملة و بين رجل شرقي سكير مهمل عاطل من جهة،و بينهما معاً و بين السّاردة.و في هذه المقارنة السّردية الكثير من النّقط النّفسية لنتأمل و صف المرأة العجوز: ( يدخلون معها في حوارات لا أفهم لغتها.مرة بالهندي و مرة بالانكليزي المكسور،و مرات بصياح لا غير ، مجرد صاح لتثبت لنفسها أنها موضع اهتمام و لها أصحاب يفهمون لغتها . ) و هذا شعور بالنّقص تعوضه العجوز بالثرثرة و محادثة الآخرين بصوت مرتفع و بالهندية و الانكليزية بغيـــة لفت الاهتمام و الشّعور باهتمام الآخر . و في لقطات سريعة تتطرق السّاردة إلى حــالات نفسية شخصية، تخصّ المرأة العجوز العاملة ، و جارها الشّيخ السكير المهمل :
( بينما هو يعيش على نفقة الدولة ليسكر . هي تعيش من عرق جبينها لتعيش بكرامة .
هو وحده شريكه هذيانه و نفور الناس منه . هما يختلفان علي بالثرثرة و أنا مختلفةعنهم بالصمت .) ص47/48
الغربة و الاغتراب ، و الوحدة و الشعور بالانفراد Singularisation كلّ ذلك شكل من ثلاثة شخصيات ، ثلاثة نفوس مختلفة . و إن كان الحي يجمعهم ، و أشياء أخرى تجعلهم على صلة ما و لكن عوامل دفينة تفرقهم ، بل تجعل رؤيتهم للحياة والنّاس مختلفة .


في نص : ''حافلة ،زاوية و قطار ". لا تخلو من هاجس نفسي لما ينتاب السّاردة و هي تتأمل ما حولها في الحافلة، أو من خلال زجاجها الذي غابت الملامح من خلفه لزخات المطر . ففي حديث السّاردة عن عاشقين أبكمين في العشرينات من عمرهما تقول : ( بإمكانهما الجلوس ملتصقين لكنهما فضلا التقابل ، يحاوران عيونهما و يتبادلان أسئلة و أجوبة ، في نقاش ،في غزل أو موعد جديد...تذليل الصعوبات ، و التعبير عن الذات ، حاجة للخروج من العزلة ،و الخوف ، و الإحباط إلى عالم مفتوح... الاتصال الكلي بالإشارة يفضح روحين أثملتا بعشق لغة القلب . ) ص51 و يلاحظ أنّ السّاردة لم تكتفي بالإشارة إلى عامل الإعاقة و ما يستتبع ذلك نفسياً ..بل جاءت بمصطلحات نفسية موظفة في التّعبير :
( تذليل الصعوبات ـ التعبير عن الذات ـ الخروج من العزلة ـ الخوف ـ الإحباط ـ الاتصال ـ الإشارة ) و هي أمور لها علاقة وطيدة بعالم الإعاقة، و ذوي الحاجات الخاصّة .


و في نص : ( عقاب أم تواب ) قصّة ممتعة و تتسم بالبناء الفنّي و الرؤية الواعية . و هي كغيرها من نصوص المجموعة، لا تخلو من هاجس نفسي . بل أجده هنا يتخذ بعداً يخصّ الإعلام، و كذبه ،و تزييفه للحقائق : السّاردة ضاقت من أخبار التلفاز الكئيبة و من القنوات الطالحة غير المجدية . و انتقت بعض المحطات ..فوجدتها لا تخلو من عيوب . فأوقفت الصّوت و تركت الشّخصيات تحدث بعضها البعض كالصّم البكم و هي تتمتع برؤية الشفاه تتحرك بدون كلام . : ( أستمتع برؤيتهم يحركون شفاههم ببلاهة و يحركون العيون و الأيدي وقسمات الوجه و أحيانا رفع الحواجب تعبيرا عن حركة أو كلمة ، أغلق الصوت لأتفرج على شكلهم المضحك ، تماماً كاستمتاعهم بوجعي و ثورتي غير المسموعة و حرقة قلبي الموجعة بمشاهد يعرضونها علي كل دقيقة يدخلون صقيعهم داخل صندوقي الصدري و يحفرون ، يحفرون كعميان و كرؤساء و سماسرة . ) ص54
إذاً ، رد الفعل ، و الانتقام ، و التّلذذ بذلك و لو بشكل لا يؤثر في الآخر.و لكن هي الرغبة في ذلك ليس إلا . و قديماً قيل ( الانتقام هو اعتراف بالألم ) إنّ ما تتركه و سائل الإعلام في نفوس النّاس له خدش عميق لا يزول العمر كلّه.و من تمّ انحنى النّص انحناءة طريفة فتخيلت السّاردة أنّ المذيع في التلفاز يدعوها أن تقترب ثمّ وشوش إليها بأنّه سجين و عليها أن تنقذه ، ففعلت و أخرجته من التلفاز، و أطعمته و دار بينهما حديث حول سبب سجنه فتبين أنّه لا يوافق أكاذيب إدارة القناة . و أنّه يريد ذكر الحقيقة . فكان حكم القاضي قاسياً : (بما أنّك لم تلب أوامر مدير القناة و التي هي في صالح البشرية حكمنا عليك بالسجن الانفرادي المؤبد، النبل الذي تبحث عنه ليس بالأفعال، فالأفعال لا تستر أحياناً بل بالحاجة إلى نبل النفس ،تماماً كأصحاب المشاريع الخيرية الذين يبيتون بأحضان زانية . ) ص 62/63 و هكذا غيب الفعل من أجل نبل النفس الكاذب . الشيء الذي فتح الباب على مصراعيه للكذب ،و الرياء ، و الرذيلة ، و الخبث ، و كل وجوه النفاق . الشيء الذي جعل الإنسان يعيش انفصاماً في شخصيته قد يؤدي به إلى الجنون . أو يعيش أحياناً مزدوج الشّخصية ، و هو لا يدري .


و في نص : ( غزو جراد ) قصة تبدو غريبة .تأخذ طابعاً رمزياً ... السّاردة تغادر بيتها لتجد الحديقة ملئت جراداً .تخرج إلى العيادة لتلتمس علاجاً لما لحقها من أذى الجراد فتجد كلّ النّاس و وسائل المواصلات .. قد تحولوا إلى جراد : ( ما الذي يحصل اليوم ؟ و مًن الفاعل و المسبب لوضع غير مألوف ؟ حتى الحافلات كانت على شكل جراد كبير بداخله ركاب من جرد . ) ص 67 و بعد بحث و تقص قامت الساردة بزيارة الطبيب فوجدته هو نفسه جرادة فتبين لها أنّها الوحيدة المختلفة ، بل قرأت خبراً مفاده : (بجهود و تجارب عالم الأحياء البروفسور GARAD و إصراره بالقضاء على حشرة مصابة بفقر الدم ، اكتشف مبيدا فعالا للقضاء عليها .) ص68 و عموماً القصة ترمز لعدم التّكيف مع الوضع الكائن ، فإنّ ذلك يؤدي إلى العزلة القاتلة . و هي دعوة خفية للتكيف[2] Adjustment و قد ورد في الفقرة الثّانية من القصّة : ( بما أنني أنتسب إلى هذا العالم لابد أن أدخل معه في زمانه و مكانه و شكله، فلو نظرت إليه من منظوري الخاص سأنعزل بوعي أو دون وعي مني و سأعثر له على ألف حجة لتبرير أخطائه . ) ص 65 و إن كنت أفضل حذف هذه الفقرة لأنّها نتيجة قبل الأوان . و لأنّها لخصت النّص قبــل انتهائه . عموماً يبقى النّص معبراً عن ضرورة التّلاؤم و التّوافق Adaptation من أجل البقاء السيكولوجي Psychological survival بل و التّكيف النّفسي أيضا ًPsychological adjustment


و نصل إلى آخر نص في المجموعة : ( حفلة في حاوية زبالة ) قصّة مختلفة في بنائها و تركيبها و أسلوبها ، تتدخل في نهايتها القاصّة تدخلا مباشراً لافتاً : ( خلاصة القول : إن هذه القصة هي الأكثر حقيقة من قصصي الباقية ، لأنني أكثر وثوقا بمعرفتي لغزها ) تُروى على ( لسان) قنينة في حاوية زبالة و لكن بطريقة هذيانية تتطرق لأشياء كثيرة ، فكانت أطول نص في المجموعة . تتلخص في تصديرها : ( هل أنا كما أنا أم صرت شخصا لا أعرفه ؟ أين هم أصدقائي ؟ لماذا من يشبهني تصدّت له الحياة و بقي من لا أشبهه؟ ) ص 70 أسئلة وجودية ، تنبثق من نفس حائرة ، قلقة عن ذاتها ، ما آلت إليه ، و من البيئة المحيطة و كيف تغيرت و تبدّلت : ( غريب هذا الإنسان به حاجة إلى العبودية ..و به طمع و جشع يتصارعان أو يعتاش كل منهما على الآخر . ) ص 78 إنّه فعل الزّمن الذي لا يبقي حالا على حاله .و بالتّالي تتغير النفسية طوعاً أو كرهاًً لضمان استمرار دورة الحياة .


إنّ مجموعة (امرأة بزي جسد ) مجموعة قصصية اعتمدت التّيمة النّفسية . بشكل غير مألوف في المجامع القصصية . و هذا أمر جديد أو لنقول أنّه نادر في المجامع القصصية العربية . فالتّعامل مع الأوضاع النّفسية[3] و السّلوك behavior بخاصّة ، تعامل يتطلب ثقافة و معرفة نفسية،و موهبة و دربة و سعة اطلاع عن الحـالات البشرية المختلفة ، و قوّة الملاحظة . و تمثل الزيجات السّوية منها، و غير السّوية . و يبدو أن القاصّة وفاء عبد الرزاق قد أوتيت من كلّ ذلك بنصيب . ما مكنها من إعداد مجموعة قصصية ، متكاملة ، في إطار سيكولوجي ..




هوامش :


[1] ـالماسوشية Masochism : حب تعذيب النفس The Desire To Receivepain
نسبتها: ينسب مصطلح المازوخية masochism إلى الكاتب الروائي النمساوي ليبولد زاخر مازوخ leqold zacher masoch (1836 – 1895) صاحب الرواية المشهورة (فينوس في الفراء، venus in furs)




[2] ـ التكيف : في اللغة ، تعني كلمة التآلف والتقارب ، فهي نقيض التخالف والتنافر أو التصادم .
فيما يعرفه ( فهمي ، 1987 ) بأنه : العملية الديناميكية المستمرة التي يهدف بها الشخص إلى أن يغير سلوكه ليحدث علاقة أكثر توافقا بينه وبين بيئته .
أما ( الرفاعي ، 1987 ) يعرفه بأنه : مجموعة من ردود الأفعال التي يعدل بها الفرد بناءه النفسي ، وسلوكه ليستجيب إلى شروط محيطة محدودة ، أو خبرة جديدة.
أما ( عبد الله ، 2001 ) فيعرفه بأنه : مجموعة من الاستجابات وردود الأفعال التي يعدل بها الفرد سلوكه وتكوينه النفسي أو بيئته الخارجية لكي يحدث الانسجام المطلوب ، بحيث يشبع حاجاته ويلبي متطلبات بيئته الاجتماعية والطبيعية .
ويذكر ( الهاشمي،1986 ) التكيف في الدراسات النفسية فيقول:" هو تلك العملية المتفاعلة والمستمرة ( ديناميكية ) يمارسها الفرد الإنساني شعوريا أو لا شعوريا ، والتي تهدف إلى تغيير السلوك ليصبح أكثر توافقا مع بيئته ومع متطلبات دوافعه .




[3] ـ لذلك استفاد علم النّفس أيّما استفادة من بعض السّرديات في إطار الرواية و القصّة .و بخاصة أواخر القرن التّاسع عشر و ذلك ببلورة أفكار سيجموند فرويد (1856/1919) في ما يتعلق بالكبث الواقعي للإنسان تجاه مبدأ اللّذة . ، و الاضطراب العصبي الوظيفي ( العصاب ) الذي يرى فرويد أنّ له علاقة بعملية الإبداع و الابتكار . و الانطوائية و التعاسة هذا فضلا عن النّرجسية و عقدة أوديب و اللاوعي الحافظ للكبث . فكتابة فرويد عن إبداعات الكاتبة الفرنسية مارثي روبرت ، وكتابة لويس التوسير(1918) و جوليا كريستيفا و هرولد بلوم و نورمان هولاند... فتحت آفاقا رحبة لدراسة الأدب عن طريق التحليل النفسي و لم تعتمد نظريات فرويد فحسب بل عدلت منها و أضافت لتساير رؤية القرن العشرين . بينما بقيت الدراسات العربية التي تعتمد التّحليل النّفسي بسيطة و قليلة بل محتشمة جداً قياساً لما كتب في الغرب .

قراءة في مجموعة نزف الرمال لـ د مسلك ميمون

قراءة في مجموعة نزف الرمال لـ د مسلك ميمون


''نزف تحت الرمال''.. بين الحالة والسّلوك


د. مسلك ميمون


الـ"ق ق ج" انطلقت في السّعودية أواخر السّبعينيات من القرن الماضي و ذلك بمجموعة " الخبز.. والصّمت" لمحمد علوان سنة 1977 والتي استقبلها الواقع الثقافي بنوع من اللا مبالاة ككل الفنون الجديدة الصّادمة.. وبخاصّة أن الوضع التّعليمـي والثّقافي في المملكة، لم يكن قد وصل إلى ما هو عليه الآن .


ولهذا تلا هذه المجموعة ركود ملحوظ استمر أكثر من عقد من الزّمن قبل أن تظهر بوادر المجموعـــات في هذا الجنس الأدبي تباعاً "حادي بادي" لناصر تركي السديري سنة1991
و" فراغات" لعبد العزيز صالح سنة 1992 التي تعد البداية الحقيقية للق قج في السّعودية ثمّ تلتها "أثوابهم البيض " ليوسف رجعة المحيميد سنة 1993.. واستمر العطاء إلى سنة 2009 حيث ظهرت مجموعة " نزف من تحت الرمال" للقاص حسن علي البطران.


كما ظهرت في نفس السنة مجموعة " ظل الفراغ" لسهام العبودي وبذلك تعرف جمهور القراء على أسماء كان بعضها قد مرّ بكتابة القصة القصيرة، ومنها من باشر كتابة الق ق ج مباشرة


وتهمّنا مجموعة "نزف من تحت الرمال" لحسن علي البطران، والتي هي من إصدارات نادي القصيم الأدبي ببريده، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 1430 هجرية الموافق لسنة 2009م. في حجم متوسط، وإخراج بديع، و لوحة الغلاف عبارة عن رسم للطفل ريان حسن ثلاث سنوات. أمّـــــا عدد النّصوص فأربعة وثمانون نصاً، شغلت مائة و سبعة وثمانين ورقة وبذلك تكون أكبر مجموعة صدرت لحد الآن.


المجموعة على اختلاف مواضيعها، يجمع نصوصها خيطان رفيعان: الحالة Cas والسلوك Comportement. ولقد عمد القاص في معظم النصوص على البساطة ، ولكن في غير ما تبسيط مخل في الشكل و كأنه في ذلك يستجيب لقولة انشتاين: "يجب عمل كل شيء ببساطة ما أمكن، و لكن ليس بشكل متبسط ."


الحالـة: حالة الشّخصية المستهدفة في النّص. و ما أكثر الحالات التي تشكل المواقف، والمبادئ، و الاختيارات.. سواء منها الاجتماعية، أو النفسية أو السياسية... وشكّلت النّصوص في هذا الاتجاه سبعاً و ثلاثين نصا.
أمّا السّلوك: و يراد به ما يصدر عن الشّخصية من انفعال ، و ردّات أفعال، سواء مناسبة و هادفة، أو طائشة و متهافتة. وشكّلت ستاً و أربعين نصاً.


قد يعود هذا الاهتمام اللافت بين الحالة و السّلوك.إلى طبيعة الوظيفيّ و العمليّ في حياة القاص ،لاشتغاله بقطاع التّربية و التّعليم.بالدرجة الأولى. و قد يعود إلى الوضع العام الإجتماعي في السّعودية ، و مدى تمخّض الظّواهر، و الحالات الاجتماعية، و السياسية والاقتصادية و تأثيرها المباشر على المواطن، في مغالبته لليومي و المعيشي... ما يشكل حالات بشرية متفاعلة منسجمة و وسطها، أو متمردة ثائرة ساخطة ، أو خاضعة خانعة راضية . كل وحسب مزاجه، و تكوينه و تربيته. الشيء الذي تتبلور عنه سلوكات مختلفة. تشكل الذّات الفاعلة، و مدى إدراكها، و وعيها، بالقيم و المبادئ، و النّظم المحليـــــــــة، و العادات و التّقاليد، و الأعراف الأهلية، و ما يحيط بكلّ ذلك من ثقافات أخرى، و ما يتسرب منها ـــ رغم الحرص و الاحتراس ـــ محدثاً شرخاً في البنى النّفسية و الاجتماعية و الثقافية...


نصوص المجموعة تندرج في إطار الق ق ج. و إن كان بعضها يندرج في إطار الومضة. بمعنى أنّ الق ق ج تسمح بتطور الحدث إلى أن يكتمل أو يكاد فيختم بقفلة résolution تعمق الوعي، و الإحساس به. بيد أنّ الومضة، و هي أصغر وحدة سردية : تأتي بالحدث كاملا، و تشفعه بقفلة تربك الوعي به ، أو تعمّقه . فالفـرق بين الجنسين التّطور من أجل الاكتمال والاختتام بقفلة . والاكتمال والاختتام بقفلة .


كما نجد نصوصاً في المجموعة محكمة البناء والسّرد ، مستجيبة لمكونات هذا الفن الأدبي السّردي، و أخرى جاءت على درجة من الغموض والإبهام. والبعض الآخر لا يمت للجنسين بصلة ـ من حيث التّركيب و البناء.. فمن النصوص اللافتة نقتطف هذه العناوين كأمثلة:"رجولة، اهتمام، امتصاص،رائحة العلقم، سراب، نضوج، هوس، منظار، تبخر أمل، فضيحة لون، قفزة، و للضوء لون أسود ..".


1 ـ ظواهــر اجتماعية:
الظاهرة الاجتماعية أهمّ ما يشد القاص، فيوليها كبير عناية. و بالغ الاهتمام .. و في هذه المجموعة عدّة نصوص تدور حول هذا الغرض : تارة بالإشارة و التّلميح ، و تارة بالتّركيز و التوضيح مع ضمنية نقدية. ففي نص " رجولة" انتقاد صريح لزواج الفتـاة الصّغيرة ، برجل أكبر منها. و هي على جهل تام بكلّ ما ينتظر منها. و ما ينتظر منها أكبر من سنها و عقلها .. و الدنيا حولها زغاريد و فرحــة " من ورائها أسراب تغني و ترقص " و هي بين الفرحة التي لا تعرف معناها ، و الخوف و القلق من الآخر الذي يدخل عليها و" من خلفه يحكم الباب" تراه أمامها وحشـاً كاسراً ، تهابه، و تبتعد عنه : " تنزوي في زاوية غرفتها ، يدنو منها تضطرب و تتراقص أطرافها ، و تتهاطل مطراً.. ! " و يزيد من هولها و فزعها، الباب الذي يقرع ، و هذا الذي تريده أمّ الزّوج، و تطالب به من خلف باب مخدع الزّفاف : " أتستحق لقب خليفة أبيك ..؟؟ !!" صورة قاتمة يرسمها النّص لليلة الدّخلة.التي ولاشك ستترك أثراً سيئاً، و عميقاً في نفسية العروسة الصّغيرة. أمّا " الرجولة" و من خلال النّـص، فقد انحصرت فيما هو إيروسي " جنسي" شبقي يؤدي إلى الفضّ فقط. و في ذلك تلميح لما صار إليه مفهوم الرجولة، من انحصار، و ما ابتعد عنه من قيم و خصال..


فنيا: النّص تحاشى التّركيز و الإيجاز الذي هو من خصائص الق قج . وعمد إلى الوصف و التّوضيح ." تتأمل نقوش حنائها التي تطفو فوق أديم يديها " أو " هالات مضيئة تعلو سماء سمرتها ، و نهر دموع عينيها يجري و يروي عطش بستانها ؛ ويزيد لمعان زجاجات براءة فرحتها .." ص39


وفي نص " امتصاص" نصادف هذا الاختلال في الحياة الزّوجية، حين يكون الزّوج في منتهى عطائه و فحولته، وتصبح المرأة أقلّ تحفيزاً ورغبة. فتختلّ العلاقة وتفتر: " ماؤها البارد أصبح لا يروي ظمأه ! شعرت هي بذلك " و لكن شعورها جاء متأخراً " بدأت تنقب في ساحة أرضها عن بئر أخرى..اكتشفت آباراً عديدة، لكن بعد فوات الأوان." ص107


فنياً: النص اعتمد لغة التمثلات الدلالية représentation sémantique هذه لغة تصلح للقصّة القصيرة أو القصّة . بينما بالنّسبة الق ق ج فلا بدّ من لغة تحظى بنظام ترميزي إيحائي ، فهي بذلك أقرب إلى لغة الشّعر.


ثمّ هناك نص "رائحة العلقم " الذي تلخصه عبارة " العرق دسّاس": و جد غصناً ملقى على حافة الطريق ، أخذه و غرسه و سقاه فاخضر و أينع " و بعد فترة أصبح و كأنّه شجرة من عشرات السنين في أصالتها و عراقتها.. !!" بل أثمرت و أصبحت ثمارها مغرية وجذابة .. ولكن ليس الأمر في الشّكل" حينما تتذوقها تجدها مرة و علقمية ..!" وتوضح القفلة الإشكال : " بعد تصفح تاريخ هذا الغصن تبين أنّه يعود إلى بقايا نبات له علاقة بشجـر الحنظل ! " ص 107


ثمّ نص"السّراب" حيث يلعب المال و الجاه و السّلطة دوراً قد لا يخطر على بال. حتّى في العلاقة الزّوجية "الضّيوف يتناولون العشاء في صالة الضيافة الخاصة بقصر الأفراح.. أكثرهم من الطبقة المخملية..بعد ضيافتهم تفاجأ الجميع أنّ العريس ليس هو العريس!" مفاجأة ليس من السّهل تمريرها أو تقبلها ، لأّنّ عريساً آخر يجلس في المنصة ! ترى ماذا وقع ؟ فتخبرنا القفلة : بأنّ" الوردة المقطوفة له، ليست من اختياره.." ص115


أمّا نص"فضيحة اللّون" فيجسد الخيانة الزوجية.اعتاد الزوج أن يستشير أبناءه في كلّ شيء كطبع وسلوك ديمقراطي، يريد و يرغب أن يرسخه في طبع الأبناء .فحين اعتزم شراء سيارة "عقد اجتماعاً لاختيار لونها..تباينت الآراء و اختلفت الأذواق بين الأعضاء.. و لكن اتّفق الجميع أن يكون رأي مها هو المرجح" ولكن رأي الصّغيرة مهـا زلزل البيت، وأتى على كلّ شيء:" يكون لون السيارة كمكياج "ماما" حينما تكون مع "عمو" سلطان!" ص155


2 ـ ظواهر نفسيـة:
وفي نص "اهتمام" يستوقفنا هذا الاهتمام الغريب بالممتلكات الشّخصية مهما قلّت قيمتها لدى الناس: لقد فقده بعد أن كانت عنايته به فائقة " يهتم به كثيرا؛ يتفنن في نظافته والاعتناء به .. يفضله كأصغر أبنائه " فيشتط غضباً لما تأكد ألا أحد من أفراد الأسرة رآه أو يعلم عنه شيئًا.. فيزداد شوق المتلقي لمعرفة هذا الفقيد العزيز.. ترى ما يكون ؟ فتأتي القفلة:" بعد ساعات خمد بركانه !عندما وجده عند حفيده يقص به ورقً ملوناً." ص75
وفي نص "نضوج" نقف أمام حالة متكررة في كلّ أسرة فيها بنات، يبلغن سنّ النّضج . ويفاجأن بهذا السّائل يتدفق فجأة و بغير إنذار، و لم يتعوذن ذلك، و لم يخبرهن أيّ أحد، فيكون الرّعب الشّديد، و الانفعال والقلق، و التّوتر و الهلع ... " أمي ..أمي ..سأموت، سأموت !!" فتأتي القفلة و كالعادة مفتاحاً للمنغلق ، و إضاءة للمعتم المظلم .." ابنتي لقد أصبحت امرأة .." ص119


وفي نص "هوس" يجد القارئ نفسه أمام حالة هوس و حبّ استطلاع ، و فضول معرفة .. قد يؤدي أحيانًا إلى ما لا تحمد مغبته . و هو نص رمزي تلميحي .."ينظر إليها و هو على الضفة، يراقبها ، عيناه تحومان حولها.. و يسأل نفسه: لماذا تظل ورقة التفاح تطفو و لا تغرق ؟ " ورقة التفاح هنا القضية الغامضة، الإشكال الذي يستفز ويدعو إلى البحث والمعرفة، ولعلّ إدراك الحقيقة ليس بالسّهل دائماً، بل لا بدّ من مغامرة. إمّا مدروســة و محسوبة العواقب . و إمّا مغامرة انتحارية مآلها الضياع .كما هو في هذا النّص : " يرمي بنفسه و ينسى ذكره للأبد و تبقى الورقة .. !" ص123


وفي نص"وللضوء لون أسود" نلامس حالة نفسية لدى بعض النّاس ، تتمثل في الجشع وحبّ المزيد ، وطـلب تحقيق المستحيل .. والنّص في ذلك ، يسـتند إلى الرّمز اللّغوي " جمع ضوء الشمس منذ إشراقتها و قدمه كهدية لها ! و قالت له : هل هنالك شمس أخرى؟! " فلم يجد أمامه من سبيل إلا أن يرمي بنفسه في النهر.عسى برودة الماء تطفئ أوار غضبه ، و مع ذلك غادر النهر ليبحث " عن شمس لكن ليس لها ضوء " ص159 لترضية جشـع و رغبة زوجته ، التي لا يرضيها و لا يقنعها أيّ شيء.


وأخيراً في نص " رمال متحركة " يستعيد القارئ المقولة الشّهيرة عن النّساء وطبعـن:" يتمنعن و هن الراغبات " و التّمنع عرفت به المرأة منذ القديم، حتّى صار من طبعها في تعاملها الخاص، كما هو في النّص بنزعة رمزية خاصّة : " نظر إليها و هي تحرس تفاحاً يتموج احمراراً وسط صحراء جرداء . " إذاً أعجب بها و بصدرها الناهد . سألها الـقرب مـنها " أراد أن يشـتري منها هذا التفاح " ولكنها رفضت فغطته وقالت:" الآن ليس للبيع فأنا أحرسه منذ أن أينعت ونضجت .." ولكن انطفأت الشّمعة التي كانت تضيء المكان " و سقطت و احتضنها و أمسكت يده التفاح" ص175


أمّا النّصوص التي طغى عليها الإبهام، و الغموض فنخصّ بالذّكر: "عناق، انتصار حمامة، جموح، غذاء ولاء، مراودة، ميلاد جديد، جرح ،غرابيل.."
ومنها هذا النص الذي يحمل عنوان: جموح
'' صافحت يده يده حينما التقى به عند مدخل المدينة و قال له:
اصعد القمر كي نزرع شجرة !
صهيل الخيل ألجمه..
وما زالت البئر تأوي يوسف.. ! ''
وهناك ما يسمى بالومضة و منها : " توهم، سرقة، الغسيل ،غيرة،عولمة، إتيكيت ، صدى، طيبة، منظار،المعول،تبخر الأمل،حاجة،قفزة، كيان،صمت،اعتصام "
ومنها ننتقي هذا النص تحت عنوان : منظار
'' ينظرون إليه و هو فوق النخلة يجني الرطب .
هو: أراكم صغاراً ! ''


وإلى جانب هذا ، هناك نصوص كتبت بطريقة مختلفة ، ليست بالق ق ج أو الومضة وإنما فيها من ملامح الخاطرة و الكتابة النثرية الفنية، ما يجعلها أقرب إلى مقاطع من قصائد نثرية مثلا: " نزف، بصمة، شلل، عاصفة، لكن..، مستقبل، ظمأ،سؤال، توحد،رائحة نفاق، تعصب،قارورة، وفاء، عباءة،ضباب، ندى الغروب، قانون، عمق حب، شيطان،غذاء ولاء، الفنجان، بصيص، قلم باهت،مأوى، ميلاد جديد، رائحة نفاق، بائع الماء،رماد بألوان قوس قزح، رائحة اللّون، لكلّ موسم فاكهة، براءة رمال،غصن رمان، فصول، حقد، انتكاسة،انفلات، جموح، سقوط، البراشوت، انتظار، نبش في الظلام، وطن.. "


وعموماً مجموعة '' نزف من تحت الرمال'' أضمومة من الق ق ج و من الومضات وباقة من النصوص النثرية القصيرة، التي تعتمد وصف الحالة، أو إبراز السلوك. ولكن بطريقة فنية سواء في إطار من الق ق ج ، أو الومضة، أو الخاطرة القصيرة .
ـ

الجمعة، 20 يناير 2012

القصة القصيرة جداً

القصة القصيرة جدا بدعة فنية في إطار فن القصة. و أقول بدعة لأنها شيء مستحدث . و إن كان البعض يحاول أن يجد لها مسوغا للوجود في العصر الحاضر و متطلباته : من سرعة و ضيق للوقت و كثرة الهموم اليومية التي تصرف الإنسان عن مطالعة النصوص الطويلة .... و يحاول البعض الآخر أن يبحث عن جذورها في التراث العربي سواء منه المعاصر أو القديم . بغية إثبات شرعيتها في الوجود . تماما كما حدث في الشعر الحديث في الأربعينات و الخمسينات حين رفِض من طرف شعراء الكلاسيكية . فمال الطرف المدافع لإثبات وجود جذور الشعر الحديث في الموشحات ،و البند ، و النثر الشعري لجبران ، و الشعر المنثور لأمين الريحاني ، و توشيحات المهجريين و الشعرالمرسل لعبد الرحمن شكري...


و لكن ـ عموماً ـ القصة القصيرة جداً وجدت لها مكانا في الكتابة السّردية . و أصبحت تستقطب روادا في الكتابة القصصية . و مهتمين دارسين في مجال التحليل و النقد رغم قلتهم .


و تبعا لذلك ينبغي أن نتعرف أولا على هذا النوع من الفن السردي ، من خلال خصائصه . و نتساءل عن مبدعيه و مميزاتهم .


فالقصة القصيرة جداً عمل إبداعي فني . يعتمد دقّة اللّغة ، و حسن التّعبير الموجز ، و اختيار الّلفظة الدّالة ، التي تتسم بالدور الوظيفي fonctionnel. و التركيز الشديد في المعنى . و التكثيف اللّغوي الذي يحيل و لا يخبر . و لا يقبل الشّطط و لا الإسهاب ، و لا الإستطراد و لا الترادف ، و لا الجمل الاعتراضية ، و لا الجمل التفسيرية . و المضمون الذي يقبل التأويل ، و لا يستقر على دلالة واحدة . بمعنى يسمح بتعدد القراءات ...و وجهات النظر المختلفة ...


إذا كانت القصة القصيرة جدا بهذه المواصفات ، فحتما لن يكتبها غير متمرس خبير باللغة . قاص بارع في البلاغة : متقن للغة المجازية langage figuré متنبه لكمياء الألفاظ ، و فلسفة المعنى ، و عمق الدلالة . قاص لا تتحكم فيه حلاوة الألفاظ فيقتنصها لحلاوتها ، بل لما يمكن أن تخدم به السياق المقتضب . قاص لا يغتر بالقصر المجمل لقصره . أو الإٌسهاب المطول لإسهابه ، و لكن يهتم بالمعنى على أن يقدَّم بنسق لغوي فني في غاية من الاقتصاد . ليمكن القاريء الشّغوف بفن القصّ القصير أن يقرأ داخل اللغة intra - l'lnguistique لأنّ القراءة السّطحية لا تجدي نفعاً إزاء هذا النوع من القص .إذ لا بد من قراءة ما بين السطور القليلة . و خلف الكلمات المعدودة . فهناك لغة التّضمين homonymique


و إذا كانت القصة القصيرة جدا و صاحبها كما رأينا . يبقى من الضروري أن نقول صراحة إن هذا الفن ليس من السّهولة في شيء ، . لكن كم هو سهل على من يستسهله ، فيكتب جملا تدخل في إطار ما يعرف بالكتابة البيضاء écriture blanche التي لا تدل إلا على اللاشيئية nullité و يعتقد أنّه دخل صرح القصة القصيرة من بابها الواسع . إلا أنّه ينبغي أن نقول بأنّ رواد هذا الفن في عالمنا العربي قلة قليلة . أما الكثرة الكثيرة ، فهي من تكتب خارج دائرة هذا الفن . و تعتقد نفسها ـ في غياب النقد و المتابعة ـ أنها داخل الدائرة . و هذا ما نجده في منتدى القصّة القصيرة جدا في ( واتا )
و أعتقد أن الذي لم يزاول كتابة القصة القصيرة و القصة ، و الذي لم تتوفر فيه بعض من الصّفات الآنفة الذكر . هو كاتب يبحث له عن اسم في فن لا يعرفه. و في لغة لا يحسن سبكها و صياغتها، لأنها لغة الملمتر و أقل .


أما لماذا الأجيال السابقة لم تستسغ هذا الفن ؟ فالأمر بسيط . الإنسان و ما تعود . فالذي عايش قصص و روايات نجيب محفوظ ، و يوسف السباعي و عبد الحليم عبد الله و إحسان عبد القدوس و توفيق الحكيم ... يصعب عليه استساغة هذا الفن الجديد . تماماً كما وقع لجيل الأربعينيات و الخمسينيات و الستينيات مع الشعر الحـر . و المسألة تبقى دائماً مسألة ثقافة و متابعة و دراسة و نقد . و على ذكر النقد، لو بحثنا لوجدنا عدد الدراسات في هذا الفن ، تكاد لا تذكر .

القصة القصيرة جداً و معضلة الإبداع عند الشباب

القصّة القصيرة جداً و معضلة الإبداع عند الشّباب


د مسلك ميمون




كما يتضح من هذا العنوان أن الحديث سينصب على الق ق ج، كفن جديد في نطاق السرديات و ما يستوجبه من نظر ، فضلا عن معضلة الإبداع عند الشباب.
فالق ق ج كفن من فنون السرد الحديث.عُرفت أوّل ما عرفتْ، في أوروبا و أمريكا اللاتينية أواخر القرن التّاسع عشر، و بداية القرن العشرين . و كانت الشّرارة المنبهة سنة 1932 بظهور كتاب( انفعالات) لنتالي ساروت والذي تُرجم إلى العربية في السبعينات، كما ظهرت كتابات القاص الأرجنتيني بورخيس.
و لقد اختلف في تسميتها اختلافاً كبيراً. حتّى لنجد لها اسماً خاصاً في كلّ جهة من العالم : ( ففي اليابان تدعى ( قصص بحجم راحة اليد ) وفي الصين ( قصص أوقات التّدخين ) , وفي أوربا اللاتينية سميت ( قصص ما بعد الحداثة) وفي أمريكا ( قصص الومضات ) وهناك تسميات عديدة مثل( قصة الأربع دقائق ) و( العشرون دقيقة) و( القصص السريعة) و ( القصص الصغيرة جداً) و ( المجهرية) و ( قصص برقية) و(الصعقة) و( شرارات ) و ( بورتريهات ) و( مشاهد قصصية ) و(القصة القصيرة الشاعرية) و( قصص قصيرة جداَ)
و قد ازدهرت في العالم العربي ، في لبنان و العراق و سوريا و المغرب و الجزائر و تونس و السّعودية. الشيء الذي جعلها تستقطب اهتمام المبدعين القصّاصين الشّباب . فتخلوا نسبياً عن القصيرة ، و الطويلة. و لجؤوا إلى أحضان القصيرة جداً . فمنهم من حالفه الحظ كما كان شأنه مع القصيرة و الطويلة. و منهم من أخذ الأمر تجربة و تحدّ فلم يحقق إبداعاً يستحق الذكر، في إطار عملية التّجريب هذه ،التي استغرقت عقد التّسعينات ولازالت مستمرة. استقطبت شباب الجامعات، و المعاهد، و المؤسسات العليا، و بعض ممن مسّتهم غواية السّرد من الخريجين. فتبنوا الفنّ الجديد، و وجدوا في منتديات النّت Net، و النّشر السّريع، ما ساعدهم على الانتشار و الظّهور.. و دعمت كلّ ذلك تعليقات المجاملة و الاستحسان. في غياب النّقد الجاد، و التّمحيص. فحصل تراكم كبير، شكّل ما نسميه معضلة الإبداع .


فما هي أهم سمات هذه المعضلة ؟


1 ــــــ استسهال كتابة الق ق ج : فالبعض وجدها ضئيلة، محدودة،في سطرين إلى خمسة أسطر... فأنشأ في اليوم أكثر من نص. و يفتخر بذلك.و لم يقرأ قول هارفي ستاريو إنّ : (القصة الومضة جنس أدبي ممتع ولكن يصعب تأليفه) . لأنّ الأمر رهين بنوعية الكتابة، التي تخضع لدرجة مركّزة في الضّبط، و الحذف، و الإضمار، و التّكثيف ..يصعب على غير المتمكن من اللّغة و قواعدها، و فنّ البلاغة و ضروبها ..أن يحققها بالوجه الأكمل .


2 ــ ثورة المعلوميات : كان من الممكن جداً اعتبار ثورة المعلوميات و الاتصالات ،و ثورة الأنفوميديا ،و المدونات الخاصّة على اختلافها ، نعمة لم تعرفها الإنسانية من قبل . و لكنّها كأيّ شيء في الوجود، محكومة بالإيجاب و السّلب ، فإنّ المدونات و المواقع المتعددة و المتنوعة... فسحت مجالا خصباً فسيحاً ، للكتابة و النّشر ..فظهر الغثّ و السّمين . بل كثر هذا الغثّ حتّى شاع و انتشر ، و قلّ السّمين حتّى أفلّ نجمه و اندثر.


3 ــــــــ غياب النّقد و المتابعة: يعد هذا،أكبر عامل في نشر كتابة الاستسهال. و نشر الكتابة الفوضوية باسم الإبداع، و حرية التّعبير.و ما نجده من كتابات نقدية من حين لآخر.لا يشفع للعمليـة النّقدية بالوجود الفعلي. لأنّ مسألة الكتابة المتبادلة(اكتب عنّي أكتب عنك) ستقحمنا ـــــ لا شك ــــ في مزالق المحاباة، و المجاملات، و غضّ الطّرف عن المساوئ و الهنات ... إلا القليل المنصف منها، و الذي لا يكاد يذكر. قياساً لركام الإبداع الذي استسهل أصحابه العملية، فأنتجوا كما طاب لهم بحرية مطلقة.. و أنّى للحرية المطلقة من شبيه إلا الفوضى؟


4 ــــــــ دراسة خصائص الفن: البعض ـــ مع الأسف ــــ ما زال يردّد أنّ خصائص فنّ الق ق ج لم تكتمل بعد. و لا يظهر له هذا جلياً، إلا بعد أن يُنتقد عملُه نقداً جاداً. ينفي عنه صبغة الق ق ج، فيلحقه بالخاطرة مثلا.و إذا ما بحثنا الأمر نجد صاحب النّص لا يميز بين أجزاء الخطاب و أنساقه، و الإجراءات اللازمة و كيفية الإيصال، و لا الاستبدال و الاستدلال ، و لا الانسجام الداخلي و إثارة الذّهن .. بل نجد صاحب النّص يعاني تخبّطاً و تَخليطاً حتّى فيما يتعلّق بالسّنن اللّغوي : ( صوت ، تركيب ، معجم، دلالة ) و دعك من مسلمــــات هذا الفن : كالتّكثيف التّلميحي ، و الفكرة المحبكة، و الوحدة العضوية والموضوعية ، و هاجس المفارقة المستفزة، و عنصر التّوثر الدرامي ، و الحذف و الإضمار ، و الإشارة و الرّمز، و الواقعية و الشّاعرية ...كلّ ذلك يشكّل ثقافة غائبة، قد يستحضرها في صورة مبسطة ساذَجة، لا تنمّ عن وعي و إدراك ، و فهم و حسن تدبر .


5 ـــــ عدم فهم الإبداع على أساس أنه إنتاج ( production) أي أنّ الإبداع عبارة عن " ظهورٍ لإنتاج جديد ،نابع من التّفاعل بين الشّخص وما يكتسبه من خبرات ". و عدم استيعاب مراحل الإبداع الأربع : مرحلة الإعداد، و مرحلة الاحتضان، و مرحلة الإلهام، و مرحلة التّحقّق.
الإبداع في اللّغة هو الاختراع والابتكار على غير مثال سابق. وبصورة أوضح هو إنتاج شيء جديدٍ لم يكن موجوداً من قبل على هذه الصورة. وقد عرّفت الموسوعة البريطانية الإبداع على أنّه ''القدرة على إيجاد حلول لمشكلة أو أداة جديدة أو أثر فنّي أو أسلــوب جديد.'' كما أنّه لا يمكننا إلا أن نبرز التّعريفات المشهورة للإبداع وذلك حسب تعــــريف العالم جوان (gowan): '' الإبداع مزيج من القدرات والاستعــــــــدادات والخصائص الشّخصية التي إذا وَجدت بيئة مناسبة يمكن أن ترقى بالعمليات العقليــــة لتـــؤدي إلى نتائج أصلية ومفيدة للفرد أو الشركة أو المجتمع أو العامل. كما أنّ العالم تـــــورانس torance)) قد عرّف الإبداع فقال ''الإبداع هو عملية وعـــــي بمواطن الضّعف وعدم الانسجام والنقص بالمعلومات والتنبوء بالمشكلات والبحث عن حلول، وإضافة فرضيات واختبارها، وصياغتها وتعديلها باستخدام المعطيات الجديـــدة للوصول إلى نتائج جيدة لتُقدَّم للآخرين.''


6 ــــــ لغة السّــــرد ، لطالما استوقفتني لغة السرد، فيما أقرأ من ق ق ج. البعض عن غير وعي يوظف الجمل التّفسيرية التّوضيحية، و قد يأتي بالجمل الاعتراضية ، والوصفية ، و قد يستعذبه جرس الحروف فينساق و جرس الجمل السّجعية،و كثرة الروابط ...و كل ذلك يجعل النص منفتحاً لغويا ،منكشفاً دلالياً،فاتراً تأثيرياً..فلغة السّرد درجـات متفاوتة و مختلفة اختلافاً بيناً بين أجناس السّرد( الرواية،و القصة،و القصة القصيرة، و القصة القصيرة جداً.) فإذا كانت الرواية تسمح بلغة بنورامية و لا حرج.فإنّ القصة تكتفي بلغة مهذبة مشذبة مع بعض وجوه الاستطراد فيما يتطلب ذلك. بينما القصة القصيرة تعتني بلغتها و تتأنق فـــي اختيار ألفاظها، و يقلّ فيها الاستطراد ، و تعمد إلى التّركيز، و انتقاء الألفاظ، التي تخدم الدلالة. بينما الق ق ج تختلف لغتها اختلافاً كلياً عن الأجناس السّردية الثلاثة. و بذلك كان تميّزها، و شدّة صعوبتها، التي لا يدرك حقّها المبتدئون فيستسهلونها حباً في المغامرة. و لا مغامرة لمن يريد السباحة في قطرة ماء.و الذي ينبغي أن يستقر في الذّهن أنّ القصّة عموماً: تعبير بالحدث ، و ليس إلا الحدث . و لا ينبغي بأيّ حال من الأحوال، تغييبه في لغة هذيانية تَعني كلّ شيء، و لا تعني شيئاً. و لا يمكن ـــ أيضاًـــ أن يستحيل النّصُّ إلى تعبير بالصّورة فيتقاطع مع خصوصية جنس آخر، هو الشّعر.و هذا يحدث حتّى لدى بعض الكتاب المتمرسين، إذ يتَحول النّصُّ لديهم، إلى مقطع من قصيدة نثر خالصــــــــــة. فتتجلى الصّورة و يغيب الحدث. و هذا نتيجة الخلط ، و عدم احترام نظرية النّـــوع فـــي صفائها، و الإيمان العشوائي ، بتداخل الأجناس فيما بينها. وهذا أعتبره فساداً في التّصور. لأنّه في النّهاية يؤدي إلى خلط و فوضى، و حرية بلا ضفاف. فلا يميز السّــردي مـــــن الشّعري و لا ما يجب مما لا يجب.. و إن كان خوليو كورتازار يعرفها بأنّها" جنس سردي مغلق ذو لغة لولبية تجعل من (القصة) الأخ الشّقيق للشّعر" و لكن الإخوة الأشقاء، لم يكونوا في يوم ما شخصاً واحداً. فإذا كانت الق ق ج تتقاطع و بعض الأجناس الأخرى . فالتقاطع لا يعني الذوبان و التّماهي في الآخر.


7 ـــــ عملية التّجريب: ففي إطار الق ق ج.لا أفهم كيف يلجأ شاب مبتدئ إلى التّجريب ؟ و هو بعدُ لم يمتلك قواعد اللّعبة. لا أفهم كيف ينادي قاص بالتّجريب و يتبنى ما ذهبت إليه تنظيرات الرواية الجديدة، من تكسير للقوالب الكلاسيكية،والنّظر إلى العملية السّردية كعمل منفتح، يستوعب أجناساً أدبية متنوعة ..في الوقت الذي هو نفسه لا يدرك ذلك في العمق . و خلفه جمهور المتلقين، لازال متعثراً في قواعد الكتابة الكلاسيكية. ثمّ هل التّجريب هو الهدف و الأساس؟أم الصّدق في التّجربة ؟ ثمّ ما هي دواعي التّجريب عند القاصّ الشّاب؟ فهل استوفى مرحلة من العطاء، حتّمت عليه الانتقال إلى الجديد من خلال التّجربة ؟ أعتقد أنّ الخبرة أفضل معلم. و الخبرة لا تكون بين عشية وضحاها..فقـــد تمضي سنوات العمر، تجمعها عقود، و المبدع يلتمس طريقه إلى الخبرة المجدية .. و لكن البعض تتملكه نشوة التعليقات في منتديات الإنترنيت. فيعمد إلى ما يسميه التّجريب، و البحث المستمر عن الجديد. فيخبط خبط عشواء . فلا هو بالجديد، و لا بالقديم.لأنّ ما يكسب بسهولة يضيع بسهولة Easy come , easy go


نخلص إلى أنّ العملية الإبداعية في مجال الق ق ج . عملية صعبة ، فلا يمكن استسهالها بالشّكل الذي تعرض به في مختلف المنتديات الأدبية عبر النت. فثورة الأنفوميديا بقدر ما أدّت خدمات جليلة ، بقدر ما تسبّبت في نشر الغثّ ، و تسهيل ترويجه و نشره. وزاد غياب النّقد و المتابعة، أن أفضى إلى فوضى في الإنتاج، الذي لا تحكمه قواعد،أو تضبطه سنن. و الأمر يعود للتّقصير وعدم البحث و الدراسة ،و الاكتفاء بالرّغبة و الموهبة الفجّة.. و عدم ربط العملية الإبداعية بنسقية الانتاج، و تمييز لغة السّرد عن غيرها لخصوصيتها الحدَثيــة. و في أتون كلّ هذا . كانَ التّجريب و مازال مطلباً و مطمحاً.و لكن الأجدى في التّجريب ، و الأنفع ..حين يكون مطلباً ملحاً، بالنّسبة لمبدعٍ ممارسٍ موهوب . لا نزوة عابرة، في ذهن مبتدئ ، لم يتمكن من أدواته بعد ..




د مسلك ميمون


ملحوظة : نص العرض الذي ألقيته في المهرجان الأول للشعر و القصة ببني ملال بتاريخ 27 / 28 نونبر 2010


الدكتور مسلك ميمون

أستاذي الجليل الدكتور مسلك ميمون... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
الأمم بتاريخها ورجالها...والحضارات بعلمائها وأدبائها.. والأمة لا تكون امة إلا إذا كانت تعتني يأدبائها،وعلمائها ومفكريها....ونحن اليوم ، بصدد موقف تشرف به الثقافة،ويشرف به الأدب...
صحيح أن العلماء ورثة الأنبياء...وأمناء الأمة.. ونجوم السماء... هم النبراس، والقدوة.. بهم تسمو البشرية.. وتعلو القيم... وتترسخ المبادئ والخصال الحميدة... والعلم والأخلاق صنوان.. وهما أكمل ما يتمثلان فيمن تداعينا لتكريمه، وفاء له.. وعرفانا بفضله وجهوده في خدمة الثقافة والأدب العربيين عامة، والمغربيين خاصة... الأستاذ الدكتور مسلك ميمون...
إن شكر الناس على ما يبذلونه في سبيل الآخرين من شكر الخالق تعالى.. والوفاء لمن يعمل بإخلاص هو عرفان بجميله ورد بعض أياديه البيض... وما هذا التكريم إلا اعتراف بكل ما أسداه للعلم والأدب ، والتربية، والثقافة..
إنه فارس من فرسان الكلمة.. فيه سمت العلماء ووقارهم,, وألفتهم وهيبتهم....
فان يكتب الإنسان أو يتحدث عن أديب وأستاذ، وإعلامي، وناقد في حجم الدكتور مسلك ميمون، فهو أمر صعب...لأنه مهما قلنا لن نوفي الرجل كل حقه...
سألتني ذات يوم الشاعرة مالكة عسال عن الأستاذ مسلك ميمون، وهل اعرفه؟... أجبتها بالنفي ، ولكنني أجزمت أن هذا الاسم ليس غريبا علي... لا أعرف أين سمعته...
لكنني عرفته من خلال العالم الافتراضي... غزير العلم... موسوعي المعرفة، عالي الثقافة،متنوع التآليف، حنك التدريس والنقد ومتابعة الإبداع...غزير المشاركات في المنتديات العربية...
والذي شدني عند أستاذي الدكتور ميمون مسلك، هو منهجه النقدي فيما يخص الأقصوصة والقصة القصيرة... هذا المنهج الذي يتأسس عنده على:
- الصراحة النقدية، وتلاشي المجاملة الكاذبة.
- إقامة صرح جاد للقصة القصيرة جدا وللقصة عموما.
- التنديد بالاستسهال الذي يراه البعض نحو القصة القصيرة.
- اعتماد المصطلح باللغتين العربية والفرنسية.
ولذا اتخذ على نفسه قراءة الإنتاج الإبداعي القصصي دون الاستناد إلى معيار في الاختيار ، ووجد أن قراءة عمل واحد منفرد لا تكفي بالغرض، ولا تعطي صورة واضحة عن العمل وجهد المبدع.. ولذا اختار قراءة مجموعة من الإبداعات تجاوزت أحيانا العشرة، لان ذلك يكون ويفرز فكرة جيدة عن المبدع وإبداعه...لذا جاءت قراءته لكثير من المبدعين المغاربة والعرب، ولعشر من كتاباتهم،أمثال(أمين مخلص- ابراهيم الدرغوثي- فاطمة العتباني- سعيد أبو نعسة- هيمى المفتي- نزار بهاء الدين الزين- عبد الحميد الغرباوي- حسن البقالي...)...
وهو في قراءته لا ينتقي النصوص ، بل يختار بالصدفة ليبين ما للنص وما عليه، وكما يقول:<< لا نتعلم من الجودة فقط، بل أحيانا كثيرة نستفيد مما نعتقده بعيدا عن الجودة ، وفي أحسن الأحوال أقل جودة>>...
ونجده ينظر للقصة القصيرة والأقصوصة من خلال تجربته الخاصة، حينما اعترضه عارض، إذ كان مع صديق له بالكلية بجامعة ابن زهر، فاستوقفتهما طالبة وطلبت من صديقه الأستاذ وجهة نظره في بعض كتاباتها الشعرية، فأجابها بعد الاطلاع بان تبتعد عن الشعر ، وتلتجئ إلى كتابة القصة القصيرة... فحز الأمر في نفس أستاذنا سي ميمون، لأنه وجد في النصيحة استسهالا لفن القصة، وتصغيرا لها... لذا آثر على نفسه بأن يكتب تنظيرا لهذا اللون الأدبي، ولذا أعد برنامجا أدبيا ( رحلة مع الكلمة)، والذي أصبح يعرف ب ( اللقاء الأدبي)، استمر عشر سنوات متتالية، يذاع على أمواج إذاعة أغادير...
ومن خلال اطلاعه على ما يكتبه الشباب من نتاج قصصي، كان يتساءل أسئلة منهجية، تسارعت إلى ذهنه...منها مثلا:

ـ هل يميز المتأدب القاص أو الأقصوصي بين التحقيق الصّحفي والأقصوصة ؟

ـ هل يميز بين بناء أقصوصة ؛ و سرد حكائي لحادثة يومية ؟

ـ هل يدرك خطر الانفصال بين الشكل و المضمون ؟

ـ هل يعي سوء تقديم الحدث بسرد مسهب و صورة تقريرية ؟

ـ هل يعي حقيقة التنافر بين التداعيات و السياق العام للأقصوصة ؟

ـ هل يعي قيمة العمل الرّمزي في غياب المعادل الموضوعي ؟ـ

ـ هل يدرك القاص أنّ المحاولات الجادّة القصصية ، لها شروط أساسية : منها ؛ سلامة اللّغة ، و وضوح الرؤية ، و البناء الفني ، و الابتعاد ـ قدرالإمكان ـ عن السرد الممل ، و تجنب الكلمات الرائجة المستهلكة ، و تلافي التقريرية....

وأمام الوضع للعديد من الشباب المتأدب الذي لازال يلتمس طريقه بجهدجهيد لانعدام الوعي الفني و الإرشاد و التوجيه و النقد البناء ... ارتأى الأستاذ ميمون في هذاالأمر أن يضع بعض الملاحظات التي رآها أساسية لبناء أقصوصة جيدة، منها:

ـ ينبغي للأقصوصة أن تكون مقنعة بشكلها و مضمونها .

ـ ينبغي لجمل الأقصوصة أن تكون قصيرة ، موحية ، و دالة ، و سريعة،و مركزة

ـ ينبغي توظيف شفافية اللغة الشعرية.

ـ ينبغي عدم محاولة استدرار عواطف القارئ . فذلك يضعف القوةالإبداعية و العناصر الدرامية الفنية.

ـ ينبغي الحذر في توظيف الرمز ، أو السريالية و الهذيان ... فاللقطات الغمضة تضعف من قوة التأثير .

ـ ينبغي الحذر في التعامل و النتائج الفلسفية التي تبقى أسئلة ونتائج ذاتية ..

ـ ينبغي مراعاة تطور الأحداث النفسية و الحدث الواقعي .

ـ ينبغي اعتماد الاقتصاد الذكي الحاذق ـ في التعامل مع اللفظ والجملة .

و ما هذا إلا غيض من فيض مما ينبغي و لا ينبغي ـ فقط ـ ليعلمالقاص المبتدئ أو حتى الذي شق طريقه أن عالم الأقصوصة صعب و ليس بالسهل قطعا إلاعند الذي يحسب الأقصوصة كتابة تقرير، أو حكي نازلة ما ... و شتان بين هذا و ذاك ويؤكد نصائحه النقدية بموقف للكاتب المصري الدكتور يوسف إدريس:<<لقد مات القاص يوسف إدريس و هو يحلم أن يكتب أقصوصة ناجحة رغم كل ما كتب . و قد قال مازحا يوماً لو اخترت من أقاصيص العالم لاخترت أربعين قصة فقط>> .
هكذا هو أستاذنا ميمون المسلك... خدوما .. نصوحا.. متابعا.. قارئا.. معلما...دارسا...
لكن أمام كل هذا يضيرني شيء واحد ، وهو أن أستاذنا الكريم لم يلق لحد الآن العناية التي تليق بمقامه.. ولم يهتم النقد المغربي بمنهجه النقدي ولا بنقده ودراسته العروضية...وهذا حيف كبير في حقه...
كل ما أتمناه، أن تهتم الجامعة المغربية بعلم هذا الأديب الجهبذ، وان توجه طلبتها إلى دراسة كتاباته وكتبه...
كما أتمنى لأستاذي الجليل طول العمر، وأن يغني المكتبة العربية والمغربية بكتاباته النقدية، والإبداعية، والتنظيرية... كما أتمنى أن ألقاه إن شاء الله في إبداع من إبداعاته وما هذا بعزيز...

مكونات الإبداع في القصة القصيرة جداً

'' مكونات الإبداع في القصّة القصيرة جداً ''




القصة القصيرة جداً very short story بدعة فنية في إطار فن القصة. و أقول بدعة ، لأنّها شيء مستحدث . إذ لم تظهر في عالمنا العربي كفن و كتابة إلا في تسعينات القرن الماضي . و لكن استطاعت بسرعة أن تجد لها مكانا تحت الشمس، و وسط الزحام . بل استطاعت أن تملك مريدين و مريدات ، و معجبين ومعجبات. و قد تكون الفن الوحيد الذي لم يجد معارضة من المحافظين ، إلا ما لا يكاد يذكر .


ربّما لأنها ولدت مكتملة ، و إن كان البعض يحاول أن يجد لها مسوغاً للوجود في العصرالحاضر و متطلباته : من سرعة و ضيق للوقت، و كثرة الهموم اليومية التي تصرف الإنسان عن مطالعة النصوص الطويلة .... و يحاول البعض الآخر أن يبحث عن جذورها في التراث العربي سواء منه المعاصر أوالقديم . بغية إثبات شرعيتها في الوجود . كاعتبارها امتداداً طبيعياً لبعض كتابات رواد السّرد العرب و بخاصة كتاب (المستطرف في كل فن مسظرف) للأبشهي ، و كتابات نعيمة ، و جبران خليل جبران في كتابه (المجنون) و بعض كتابات نجيب محفوظ في سنواته الأخيرة ... تماماً كما حدث في الشعر الحديث في الأربعينات و الخمسينات حين رُفِض من طرف شعراء الكلاسيكية . فمال الطرف المدافع لإثبات وجود جذور الشّعر الحديث في الموشحات ، و البند ، و النثرالشّعري لجبران ، و الشّعر المنثور لأمين الريحاني ، و توشيحات المهجريين والشّعرالمرسل لعبد الرحمــن شكري...


و لكن ـ عموماً ـ القصة القصيرة جداً وجدتْ لها مكاناً في الكتابة السّردية . وأصبحت تستقطب رواداً في الكتابة القصصية . و مهتمين دارسين في مجال السّرديات و التّحليل و النّقد رغم قلتهم ، في العالم العربي .


و تبعاً لذلك ، ينبغي أن نتعرف أولا على هذا النوع من الفن السّردي ، من خلال خصائصه . و نتساءل عن مبدعيه و مميزاتهم .
فالقصة القصيرة جداً عمل إبداعيّ فنيّ . يعتمد دقّة اللّغة ، و حسن التّعبير الموجز ، و اختيار الّلّفظة الدّالة ، التي تتّسم بالـدّور الوظيفيّ fonctionnel و التّركيز الشّديد في المعنى . و التّكثيف اللّغوي الذي يحيل و لا يُخبر . و لا يقبل الشّطط ، و لا الإسهاب ، و لا الاستطراد، و لا التّرادف ، و لا الجمل الاعتراضية ، و لا الجمل التّفسيرية .... و يستهدف المضمون الذي يقبل التّأويل ، و لا يستقر على دلالة واحدة . بمعنى يسمح بتعدّد القراءات ...و وجهات النظر المختلفة ...


إذاكانت القصة القصيرة جداً بهذه المواصفات، فحتماً لن يكتبها غير متمرس خبير باللّغة . قاص بارع في البلاغة : متقن للّغـة المجازية langage figuré متنبه لكمياء الألفاظ ، و فلسفة المعنى ، و عمق الدّلالة . قاص لا تتحكم فيه حلاوة الألفاظ ؛ فيقتنصها لحلاوتها ، بل لما يمكن أن تخدم به السّياق المقتضب . قاصّ لا يغتر بالقصر المجمل لقصره . أو الإسهاب المطول لإسهابه ، و لكن يهتمّ بالمعنى على أن يقدَّم بنسق لغوي فنيّ في غاية من الاقتصاد . ليمكن القارئ الشّغوف بفن القصّ القصير، أن يقرأ داخل اللّغة intra - linguistique لأنّ القراءة السّطحية، لا تجدي نفعاً إزاء هذا النّوع من القصّ .إذ لا بد من قراءة ما بين السّطور القليلة . و خلف الكلمات المعدودة . فهناك لغة التّضمين homonymique


و إذا كانت القصّة القصيرة جداً و صاحبها كما رأينا ، يبقى من الضّروري أن نقول صراحة ، إنّ هذا الفن ليس من السّهولــة في شيء. لكن كم هو سهل على من يستسهله ، فيكتب جملا تدخل في إطار ما يعرف بالكتابة البيضاء écriture blanche التي لا تدل إلا على اللاشيئية nullité ويعتقد أنّه دخل صرح القصة القصيرة من بابها الواسع . إلا أنّه ينبغي أن نقول :إنّ رواد هذا الفن في عالمنا العربي قلة قليلة . أمّا الكثرة الكثيرة ، فهي من تكتب خارج دائرة هذا الفن . و تعتقد نفسها ـ في غياب النّقد و المتابعة ـ أنها داخل الدّائرة .


أعتقد ـ جازماً ـ أنّ الذي لم يزاول كتابة القصّة القصيرة والقصّة ، و الذي لم تتوفر فيه بعض من الصّفات الآنفة الذّكر . فهو كاتب يبحث له عن اسم في فن لا يعرفه. و في لغة لا يحسن سبكها ، و صياغتها، لأنّها لغة السنتمتر وأقل .و لغة التكثيف الفني . و هذا يدعونا لنوضح ذلك قليلا :




1 ــ التّكثيف: عملية ضرورية في مجال القصّة القصيرة جداً . و لا أكتم أنّني ؛ حين أقرأ نصاً : منفرجاً ،منفتحاً،بلغة إنشائية بسيطة وعادية ...ما يعرف بالإنجليزية natural langage أو حين أجد الفائض اللّغوي الذي لا يخدم النّص في شيء ما يعرف l'inguistic redundancy أتضايق ، وأشعر أنّني أقرأ كلاماً عادياً ،لا صلة له بالفن ، فبالأحرى القصّة القصيرة جداً. و هذا لا يعني أنّ التكثيف وحده يضمن نجاح القصّة ، بل هناك عناصر أخرى لا بدّ منها . و إن كان ليس من الضّروري أن تكون كلّها موجودة في النّص . بل ظروف الكتابة ، و معطيات النّص، و الحالة النّفسية للمبدع .... كلّ ذلك يساهم في إظهار عناصر، و احتجاب أخرى... .


2 ــ الرّمـــز : الرّمز أداة و وسيلة و ليس غاية . و هو يوظف بعناية في كلّ عمل فني : في الشّعر، في القصة ، في الرواية، في الرسم التشكيلي ، في النّحث ،في المعمار، في الرّقص .... أستطيع أن أعمّم و أقول: الرّمز يسكن الحياة كلّ الحياة .
و الرّمز كوسيلة حين يوظف فنياً ، يغني النّص ، و يحمله على الاختزال . و يلعب دوراً جليلا في منحه بعداً ، ما كان ليتأتى بلغة واصفة مباشرة ... و لكن له ضريبته الباهظة ،إذ يجعل النّص للخاصّة بل أحياناً لخاصّة الخاصّة ، فماذا سيفهم القارئ العادي البسيط، أو المحدود الثقافة إذا وجد في قصيدة أوقصة ... رموزاً كالتالي : تموز tammuz أدونيسAdonis عشتار Ishtar الفنيق phoenix سيزيف Sisyphus إيزريس Isis أوزريس Osiris....و القائمة طويلة من الرموز الإغريقية و الفرعونية و الإنسانيــــــــة عموما ...لاشك أنّ هذه لا تقول شيئا حتى ـ ربّما لبعض المثقفين ـ و من تمَّ كانت الرمزية كتابة نخبوية ، أو تجعل النّص نخبوياً .
و لتبسيط الرمز و جعله في المتناول . ترك بعض الأدباء الرموز العالمية ، و لجؤوا إلى ابتداع رموز لغوية اجتماعية معروفة أو قد تعرف من سياق النّص ، سواء كان شعـــــراً أو قصّة .و لكن الرّمز الذي يوظف توظيفاً فنياً : يرفع قيمة النّص إبداعياً ، و يثريه دلالياً ، و يحمل القارئ بعيداً ، إلى فضاءات لا يمكن أن تحددها الكلمات العادية ، أو التراكيب الواصفة البسيطة ...


3 ـ الحجــــــــم : أمّا من حيث الحجم ، فهناك خلاف كبير.
فحين أقرأ ما كتبته نتالي ساروت من قصص قصيرة جداً في كتاب بعنوان (انفعالات)،أجد القصة عندها طويلة نسبياً دون أن أقول : و رقة . و لكن حين أقرأ للقاص و الروائي الكبير ارنست همنغواي ،أجده قد كتب يوما ً قصة قصيرة جداً في خمس كلمات و هي : (للبيع، حذاء أطفال، غير مستهلك )، وأن بعض المواقع الأدبية أعلنت عن مسابقات للقصّة القصيرة جداً بشرط أن تكون كلماتها محصورة بين كلمتين إلى ثلاثمائة كلمة . بل و أجد رأياً آخر يحصر القصّة القصيرة جداً في 60 كلمة و ينصح الكاتبَ لكي يحافظ على المجموع (60) كلمة أو أقل ينبغي أن يضع (60) سطراً مرقماً على أساس أن يتضمن ـ أثناء الكتابة ـ كلّ سطر كلمة . و في هذا خلاف .....
فالقصة القصيرة جداً إن جاءت في نصف صفحة.أو في فقرتين من ثلاث مائة كلمة، أوأقل كمائة كلمة ، أو ستين و بدون شطط و لا زيادة غير مرغوب فيها؛ فهذا جميل . و عموماً التّكثيف و الإيجاز و اللّغة الشّعرية ... كلّ ذلك لا يسمح بالاستطراد و الشّطط والإطناب . و من تمّ أجد مبدع القصّة القصيرة جداً؛ من المبدعين البلغاء . فهو إن لم يكن بليغاً و متمكناً من ضروب البلاغة، لا يمكنه أن يأتي بالحدث في إيجاز بليغ فنيّ ، و إن حاول ذلك مــراراً.


4 ـ الراوي العليم أوالرؤية من خلف . فهي من أخطر الرؤى الممكنة . كيف ذلك ؟ فالراوي الذي يعرف كلّ شيء؛ يبَسط النّسيج الفنيّ ، و يحلّ عقد البناء القصصيّ، و يكشف كلّ الأوراق ... ما يجعل النّص؛ نصاً عادياً خال من المتعة و التّشويق ...ما لم يتحكم الكاتب في السّارد بذكاء و تبصّر، فينطقه حيث ينبغي له النّطق . و يسكته حيث ينبغي السّكوت ، ويجعله يتجاهل و يتغاضى ما ينبغي له فعل ذلك ...و لكن مع الأسف هذا لا يحدث دائماً . فسرعان ما ينساق الكاتب نفسه ،خلف سارده المفترض، فيرخي الحبل على الغارب دون شعور. فتكون النتيجة نصاً مباشراَ و كأنّه تقرير مفتش شرطة ، أو ضابطة قضائية ، أو كاتب ضبط في محكمة ...


5 ـ القفلــــة Résolution: القفلة هي جملة الختم شكلا ، ولكنها مناط الّسّرد عملا، فمنها ينطلق التّأويل ، و إليها يستند الـتّعليل ، و عليها يندرج التّحليل ...
فهي ذات أهمية قصوى. حتّى أنّ البعض لا يرى قصّة قصيرة جداً بدون قفلة . و إن كان لي رأي مخالف . فالقفلة ـ على ما هي عليه من أهمية ـ فقد يحدث ألا يأتي بها القاصّ شريطة أن تكون القصـة على درجة عالية من التّكثيف ، أو الرّمز ، أوالحذف والإضمار .. فنسقية النّص، و سياقهénonciation وتصويره البلاغي ....كلّ ذلك يجعل القفلــة استثنائية ، لأنّ ما سبقها ـ إن وجد ـ سيغطى على دلالتها و تأثيــرها .


و من خصائصها الملازمـــة التّالي :


1 ـ قفلة مفاجئة . غير متوقعة من قبل المتلقي . و لكن لها صلة بالموضوع .
2 ـ تحدث توثراً و انفعالا ، لنسقها الدّلالي و الّصدامي .
3 ـ تبعث على التّأمل و التّساؤل .
4 ـ تفتح آفاق التّأويل و التّحرّر من تخوم النّص .
5 ـ تأتي عفوية مع سياق الكتابة .
6 ـ لا تُصنّع ،و لا تعـدّ ، سواء من قبل أو من بعـد ، ففي ذلك تكلف .
7 ـ تضفي جمالية دلالية على النّص ، لما تكتنزه من معنى.
8 ـ تأتي على نسق بلاغي forme rhétorique يضفي مسحة فنية على النص .
9 ـتتسم بطابعها الوظيفي fonctionnel في النّص.
10 ـ تتسم بالميزة الجوهرانية essencialiste في النّص.


أمام هذه الخصائص كلّها ، متجمّعة أو في معظمها ، يتبن مقدار الأهمية القصوى التي تحتلّها القفلـة . بل كثير من القصص القصيرة جداً تفقد دلالتها و متعتها و قيمتهـا فقط ، لأنّ القفلة اصطناعية artificiel خالية من العفوية الفنّية .


6 ــ التيمة أو الموضوع : القصّة القصيرة جداً تتسع لكلّ الأفكار الممكنة . لكن ما ينعكس على مرآة النقد أن بعض كتاب القصة القصيرة قد يكررون أنفسهم ـ لا شعوريا ـ و لذلك أسباب ذاتية و نفسية .
فأمّا الذّاتية: فتعود للقاص نفسه . فقد يكتب مجموعة من القصص في فترة زمنية- متقاربة . و ذلك استجابة لداعي الإبداع . و تدفق الإلهام ، أو لدافع تجاري يتعلق بالنّشر ... فلا يمكن للقاص غير المتمرس ، إحداث تميز كبير بين نسيج العمل الأول وما يليه . بل الأدهى إن أعجب بعمله الأول ، أو كان ممن يسحرهم الثناء و كلمات المجاملة الكاذبة . .. فسيتخذ من عمله نموذجاً ينسج على منواله . و مع توالي الأعمال و قلة النقد و التّوجيه . يتعمّق الخطأ و يتجذّر ،. فيصبح الإبداع في تعدد النّمط الواحد ، لا في ابتكار الجديد .. وهذا يوجد في السينما مثلا . إذ يحدث لبعض المخرجين أن تلاقي أفلامهم استحساناً فيتبعون نفس النّهج في الإخراج . إلى أن ينتشلهم النقد و التقويم من دائرة النّمطية والتّكرار ....


أمّا ما هو نفسيّ : فهو الأصعب . لأنّ القاص يجد لذّة لا تعادلها لذّة في اجترار تيماتthèmes تسكنه و تسيطر على إحساسه وقدرة تمييزه فلا يكتب إلاوفق السمة المميزة trait distinctif في لا شعوره ، فيمنعه ذلك من التفكير في التحولات transformations الممكنة .فيكون في ذلك كجمل الطاحونه المعصوب العينين يدور و يدير الطاحونة . و لربّما يعتقد أنّه قطع مسافة طويلة ، حتى إذا أميط الغطاء عن عينيه ، و جد نفسه مشدوداً إلى عمود الطاحونة و لم يبرحه قطعاً ... و هذا ما توضحه بجلاء الأسلوبية التعبيرية stylistique de l'expression
و للتّخلص من النّمطية و التّكرار . يصبح من الضّروري على القاصّ الإكثار من مطالعة القصص،في تنوع ...مع الاهتمام بالتنظير و النّقد القصصيّ . فهناك من لا يقرأ إلا إنتاجه فقط . و هذا مؤسف جداً !! كما يجب عدم الشّعور ـ مجرد الشّعور ـ بالوصول و النّضج الفنيّ .فذاك مدعاة للتقوقع و الانكفاء حول الذّات . و على العكس من ذلك ينبغي للقاص الحلم دائماً بالقصّة التي لم يكتبها بعد. و أن يكتب القصة فلا يعقبها بأخرى ، إلا بعد فترة يخصصها للمطالعة فحسب . و لا يغتر بالثناء المجاني الخادع . الذي لا يستند على برهان أو دليل. بل عليه أن يبتهج لأيّ عملية نقدية تقويمية ، تكشف بعض عيوب نصّه . و ليكن ناقد أعماله . فيكفي أن يترك العمل فترة ثمّ يعود إليه، متفحصاً متمعناً . فإنّه ولاشك سيجد ما يرضيه و ما لا يرضيه . و عموماً قد يكرر القاص نفسه . سواء في موضوعاته ، أو طرائق الكتابة ، و نمطية الأسلوب . و لن يخرج عن هذا المسار . إلا من كان يؤمن بالتجديد أسلوباً و نهجاً .


بين أيدينا الآن مجموعة من إنتاجات مختلفة في القصة القصيرة جداً .سواء التي صدرت في مجموعات ، أو التي نثرت في مواقع إلكترونية ، و منتديات ثقافية و أدبية ... كلّها تشهد أن هذا الجنس الأدبي الجميل ولد مكتملا ، نتيجة تجربة القصة القصيرة ، و القصة عموما .
كما هناك ما أصبح يعرف بالومضة. و الومضة أصغر وحدة قصصية سردية، قد لا تتعدى السطرين أو ثلاثة، تتميز عن غيرها ، أنّ الحدث يأتي كاملا لا يقبل تطوراً. و تعتمد الدّهشة ، و المفاجأة ، و الدعوة إلى التّأمل فقط .
و في هذه المضمومة الكبيرة ، و الباقة الممتعة من الق ق ج... يبقى الاختلاف في الرؤية ، و الكتابة ، و الأسلوب ،و الديباجة ..واردا.... و لكنها تعطي صورة بانورامية عن هذه الكتابة الفنية الرائعة ، في عالمنا العربي . و إن كانت كلها في حاجة إلى متابعة نقدية منهجية ...تحدد خصائصها ، و تبرز محاسنها ، و تقف على نقائصها ...




د مسلك ميمون