الدكتور مسلك ميمون
أستاذي الجليل الدكتور مسلك ميمون... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
الأمم بتاريخها ورجالها...والحضارات بعلمائها وأدبائها.. والأمة لا تكون امة إلا إذا كانت تعتني يأدبائها،وعلمائها ومفكريها....ونحن اليوم ، بصدد موقف تشرف به الثقافة،ويشرف به الأدب...
صحيح أن العلماء ورثة الأنبياء...وأمناء الأمة.. ونجوم السماء... هم النبراس، والقدوة.. بهم تسمو البشرية.. وتعلو القيم... وتترسخ المبادئ والخصال الحميدة... والعلم والأخلاق صنوان.. وهما أكمل ما يتمثلان فيمن تداعينا لتكريمه، وفاء له.. وعرفانا بفضله وجهوده في خدمة الثقافة والأدب العربيين عامة، والمغربيين خاصة... الأستاذ الدكتور مسلك ميمون...
إن شكر الناس على ما يبذلونه في سبيل الآخرين من شكر الخالق تعالى.. والوفاء لمن يعمل بإخلاص هو عرفان بجميله ورد بعض أياديه البيض... وما هذا التكريم إلا اعتراف بكل ما أسداه للعلم والأدب ، والتربية، والثقافة..
إنه فارس من فرسان الكلمة.. فيه سمت العلماء ووقارهم,, وألفتهم وهيبتهم....
فان يكتب الإنسان أو يتحدث عن أديب وأستاذ، وإعلامي، وناقد في حجم الدكتور مسلك ميمون، فهو أمر صعب...لأنه مهما قلنا لن نوفي الرجل كل حقه...
سألتني ذات يوم الشاعرة مالكة عسال عن الأستاذ مسلك ميمون، وهل اعرفه؟... أجبتها بالنفي ، ولكنني أجزمت أن هذا الاسم ليس غريبا علي... لا أعرف أين سمعته...
لكنني عرفته من خلال العالم الافتراضي... غزير العلم... موسوعي المعرفة، عالي الثقافة،متنوع التآليف، حنك التدريس والنقد ومتابعة الإبداع...غزير المشاركات في المنتديات العربية...
والذي شدني عند أستاذي الدكتور ميمون مسلك، هو منهجه النقدي فيما يخص الأقصوصة والقصة القصيرة... هذا المنهج الذي يتأسس عنده على:
- الصراحة النقدية، وتلاشي المجاملة الكاذبة.
- إقامة صرح جاد للقصة القصيرة جدا وللقصة عموما.
- التنديد بالاستسهال الذي يراه البعض نحو القصة القصيرة.
- اعتماد المصطلح باللغتين العربية والفرنسية.
ولذا اتخذ على نفسه قراءة الإنتاج الإبداعي القصصي دون الاستناد إلى معيار في الاختيار ، ووجد أن قراءة عمل واحد منفرد لا تكفي بالغرض، ولا تعطي صورة واضحة عن العمل وجهد المبدع.. ولذا اختار قراءة مجموعة من الإبداعات تجاوزت أحيانا العشرة، لان ذلك يكون ويفرز فكرة جيدة عن المبدع وإبداعه...لذا جاءت قراءته لكثير من المبدعين المغاربة والعرب، ولعشر من كتاباتهم،أمثال(أمين مخلص- ابراهيم الدرغوثي- فاطمة العتباني- سعيد أبو نعسة- هيمى المفتي- نزار بهاء الدين الزين- عبد الحميد الغرباوي- حسن البقالي...)...
وهو في قراءته لا ينتقي النصوص ، بل يختار بالصدفة ليبين ما للنص وما عليه، وكما يقول:<< لا نتعلم من الجودة فقط، بل أحيانا كثيرة نستفيد مما نعتقده بعيدا عن الجودة ، وفي أحسن الأحوال أقل جودة>>...
ونجده ينظر للقصة القصيرة والأقصوصة من خلال تجربته الخاصة، حينما اعترضه عارض، إذ كان مع صديق له بالكلية بجامعة ابن زهر، فاستوقفتهما طالبة وطلبت من صديقه الأستاذ وجهة نظره في بعض كتاباتها الشعرية، فأجابها بعد الاطلاع بان تبتعد عن الشعر ، وتلتجئ إلى كتابة القصة القصيرة... فحز الأمر في نفس أستاذنا سي ميمون، لأنه وجد في النصيحة استسهالا لفن القصة، وتصغيرا لها... لذا آثر على نفسه بأن يكتب تنظيرا لهذا اللون الأدبي، ولذا أعد برنامجا أدبيا ( رحلة مع الكلمة)، والذي أصبح يعرف ب ( اللقاء الأدبي)، استمر عشر سنوات متتالية، يذاع على أمواج إذاعة أغادير...
ومن خلال اطلاعه على ما يكتبه الشباب من نتاج قصصي، كان يتساءل أسئلة منهجية، تسارعت إلى ذهنه...منها مثلا:
ـ هل يميز المتأدب القاص أو الأقصوصي بين التحقيق الصّحفي والأقصوصة ؟
ـ هل يميز بين بناء أقصوصة ؛ و سرد حكائي لحادثة يومية ؟
ـ هل يدرك خطر الانفصال بين الشكل و المضمون ؟
ـ هل يعي سوء تقديم الحدث بسرد مسهب و صورة تقريرية ؟
ـ هل يعي حقيقة التنافر بين التداعيات و السياق العام للأقصوصة ؟
ـ هل يعي قيمة العمل الرّمزي في غياب المعادل الموضوعي ؟ـ
ـ هل يدرك القاص أنّ المحاولات الجادّة القصصية ، لها شروط أساسية : منها ؛ سلامة اللّغة ، و وضوح الرؤية ، و البناء الفني ، و الابتعاد ـ قدرالإمكان ـ عن السرد الممل ، و تجنب الكلمات الرائجة المستهلكة ، و تلافي التقريرية....
وأمام الوضع للعديد من الشباب المتأدب الذي لازال يلتمس طريقه بجهدجهيد لانعدام الوعي الفني و الإرشاد و التوجيه و النقد البناء ... ارتأى الأستاذ ميمون في هذاالأمر أن يضع بعض الملاحظات التي رآها أساسية لبناء أقصوصة جيدة، منها:
ـ ينبغي للأقصوصة أن تكون مقنعة بشكلها و مضمونها .
ـ ينبغي لجمل الأقصوصة أن تكون قصيرة ، موحية ، و دالة ، و سريعة،و مركزة
ـ ينبغي توظيف شفافية اللغة الشعرية.
ـ ينبغي عدم محاولة استدرار عواطف القارئ . فذلك يضعف القوةالإبداعية و العناصر الدرامية الفنية.
ـ ينبغي الحذر في توظيف الرمز ، أو السريالية و الهذيان ... فاللقطات الغمضة تضعف من قوة التأثير .
ـ ينبغي الحذر في التعامل و النتائج الفلسفية التي تبقى أسئلة ونتائج ذاتية ..
ـ ينبغي مراعاة تطور الأحداث النفسية و الحدث الواقعي .
ـ ينبغي اعتماد الاقتصاد الذكي الحاذق ـ في التعامل مع اللفظ والجملة .
و ما هذا إلا غيض من فيض مما ينبغي و لا ينبغي ـ فقط ـ ليعلمالقاص المبتدئ أو حتى الذي شق طريقه أن عالم الأقصوصة صعب و ليس بالسهل قطعا إلاعند الذي يحسب الأقصوصة كتابة تقرير، أو حكي نازلة ما ... و شتان بين هذا و ذاك ويؤكد نصائحه النقدية بموقف للكاتب المصري الدكتور يوسف إدريس:<<لقد مات القاص يوسف إدريس و هو يحلم أن يكتب أقصوصة ناجحة رغم كل ما كتب . و قد قال مازحا يوماً لو اخترت من أقاصيص العالم لاخترت أربعين قصة فقط>> .
هكذا هو أستاذنا ميمون المسلك... خدوما .. نصوحا.. متابعا.. قارئا.. معلما...دارسا...
لكن أمام كل هذا يضيرني شيء واحد ، وهو أن أستاذنا الكريم لم يلق لحد الآن العناية التي تليق بمقامه.. ولم يهتم النقد المغربي بمنهجه النقدي ولا بنقده ودراسته العروضية...وهذا حيف كبير في حقه...
كل ما أتمناه، أن تهتم الجامعة المغربية بعلم هذا الأديب الجهبذ، وان توجه طلبتها إلى دراسة كتاباته وكتبه...
كما أتمنى لأستاذي الجليل طول العمر، وأن يغني المكتبة العربية والمغربية بكتاباته النقدية، والإبداعية، والتنظيرية... كما أتمنى أن ألقاه إن شاء الله في إبداع من إبداعاته وما هذا بعزيز...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق