الأستاذ الدكتور مسلك ميمون

الأستاذ الدكتور مسلك ميمون

الجمعة، 20 يناير 2012

مكونات الإبداع في القصة القصيرة جداً

'' مكونات الإبداع في القصّة القصيرة جداً ''




القصة القصيرة جداً very short story بدعة فنية في إطار فن القصة. و أقول بدعة ، لأنّها شيء مستحدث . إذ لم تظهر في عالمنا العربي كفن و كتابة إلا في تسعينات القرن الماضي . و لكن استطاعت بسرعة أن تجد لها مكانا تحت الشمس، و وسط الزحام . بل استطاعت أن تملك مريدين و مريدات ، و معجبين ومعجبات. و قد تكون الفن الوحيد الذي لم يجد معارضة من المحافظين ، إلا ما لا يكاد يذكر .


ربّما لأنها ولدت مكتملة ، و إن كان البعض يحاول أن يجد لها مسوغاً للوجود في العصرالحاضر و متطلباته : من سرعة و ضيق للوقت، و كثرة الهموم اليومية التي تصرف الإنسان عن مطالعة النصوص الطويلة .... و يحاول البعض الآخر أن يبحث عن جذورها في التراث العربي سواء منه المعاصر أوالقديم . بغية إثبات شرعيتها في الوجود . كاعتبارها امتداداً طبيعياً لبعض كتابات رواد السّرد العرب و بخاصة كتاب (المستطرف في كل فن مسظرف) للأبشهي ، و كتابات نعيمة ، و جبران خليل جبران في كتابه (المجنون) و بعض كتابات نجيب محفوظ في سنواته الأخيرة ... تماماً كما حدث في الشعر الحديث في الأربعينات و الخمسينات حين رُفِض من طرف شعراء الكلاسيكية . فمال الطرف المدافع لإثبات وجود جذور الشّعر الحديث في الموشحات ، و البند ، و النثرالشّعري لجبران ، و الشّعر المنثور لأمين الريحاني ، و توشيحات المهجريين والشّعرالمرسل لعبد الرحمــن شكري...


و لكن ـ عموماً ـ القصة القصيرة جداً وجدتْ لها مكاناً في الكتابة السّردية . وأصبحت تستقطب رواداً في الكتابة القصصية . و مهتمين دارسين في مجال السّرديات و التّحليل و النّقد رغم قلتهم ، في العالم العربي .


و تبعاً لذلك ، ينبغي أن نتعرف أولا على هذا النوع من الفن السّردي ، من خلال خصائصه . و نتساءل عن مبدعيه و مميزاتهم .
فالقصة القصيرة جداً عمل إبداعيّ فنيّ . يعتمد دقّة اللّغة ، و حسن التّعبير الموجز ، و اختيار الّلّفظة الدّالة ، التي تتّسم بالـدّور الوظيفيّ fonctionnel و التّركيز الشّديد في المعنى . و التّكثيف اللّغوي الذي يحيل و لا يُخبر . و لا يقبل الشّطط ، و لا الإسهاب ، و لا الاستطراد، و لا التّرادف ، و لا الجمل الاعتراضية ، و لا الجمل التّفسيرية .... و يستهدف المضمون الذي يقبل التّأويل ، و لا يستقر على دلالة واحدة . بمعنى يسمح بتعدّد القراءات ...و وجهات النظر المختلفة ...


إذاكانت القصة القصيرة جداً بهذه المواصفات، فحتماً لن يكتبها غير متمرس خبير باللّغة . قاص بارع في البلاغة : متقن للّغـة المجازية langage figuré متنبه لكمياء الألفاظ ، و فلسفة المعنى ، و عمق الدّلالة . قاص لا تتحكم فيه حلاوة الألفاظ ؛ فيقتنصها لحلاوتها ، بل لما يمكن أن تخدم به السّياق المقتضب . قاصّ لا يغتر بالقصر المجمل لقصره . أو الإسهاب المطول لإسهابه ، و لكن يهتمّ بالمعنى على أن يقدَّم بنسق لغوي فنيّ في غاية من الاقتصاد . ليمكن القارئ الشّغوف بفن القصّ القصير، أن يقرأ داخل اللّغة intra - linguistique لأنّ القراءة السّطحية، لا تجدي نفعاً إزاء هذا النّوع من القصّ .إذ لا بد من قراءة ما بين السّطور القليلة . و خلف الكلمات المعدودة . فهناك لغة التّضمين homonymique


و إذا كانت القصّة القصيرة جداً و صاحبها كما رأينا ، يبقى من الضّروري أن نقول صراحة ، إنّ هذا الفن ليس من السّهولــة في شيء. لكن كم هو سهل على من يستسهله ، فيكتب جملا تدخل في إطار ما يعرف بالكتابة البيضاء écriture blanche التي لا تدل إلا على اللاشيئية nullité ويعتقد أنّه دخل صرح القصة القصيرة من بابها الواسع . إلا أنّه ينبغي أن نقول :إنّ رواد هذا الفن في عالمنا العربي قلة قليلة . أمّا الكثرة الكثيرة ، فهي من تكتب خارج دائرة هذا الفن . و تعتقد نفسها ـ في غياب النّقد و المتابعة ـ أنها داخل الدّائرة .


أعتقد ـ جازماً ـ أنّ الذي لم يزاول كتابة القصّة القصيرة والقصّة ، و الذي لم تتوفر فيه بعض من الصّفات الآنفة الذّكر . فهو كاتب يبحث له عن اسم في فن لا يعرفه. و في لغة لا يحسن سبكها ، و صياغتها، لأنّها لغة السنتمتر وأقل .و لغة التكثيف الفني . و هذا يدعونا لنوضح ذلك قليلا :




1 ــ التّكثيف: عملية ضرورية في مجال القصّة القصيرة جداً . و لا أكتم أنّني ؛ حين أقرأ نصاً : منفرجاً ،منفتحاً،بلغة إنشائية بسيطة وعادية ...ما يعرف بالإنجليزية natural langage أو حين أجد الفائض اللّغوي الذي لا يخدم النّص في شيء ما يعرف l'inguistic redundancy أتضايق ، وأشعر أنّني أقرأ كلاماً عادياً ،لا صلة له بالفن ، فبالأحرى القصّة القصيرة جداً. و هذا لا يعني أنّ التكثيف وحده يضمن نجاح القصّة ، بل هناك عناصر أخرى لا بدّ منها . و إن كان ليس من الضّروري أن تكون كلّها موجودة في النّص . بل ظروف الكتابة ، و معطيات النّص، و الحالة النّفسية للمبدع .... كلّ ذلك يساهم في إظهار عناصر، و احتجاب أخرى... .


2 ــ الرّمـــز : الرّمز أداة و وسيلة و ليس غاية . و هو يوظف بعناية في كلّ عمل فني : في الشّعر، في القصة ، في الرواية، في الرسم التشكيلي ، في النّحث ،في المعمار، في الرّقص .... أستطيع أن أعمّم و أقول: الرّمز يسكن الحياة كلّ الحياة .
و الرّمز كوسيلة حين يوظف فنياً ، يغني النّص ، و يحمله على الاختزال . و يلعب دوراً جليلا في منحه بعداً ، ما كان ليتأتى بلغة واصفة مباشرة ... و لكن له ضريبته الباهظة ،إذ يجعل النّص للخاصّة بل أحياناً لخاصّة الخاصّة ، فماذا سيفهم القارئ العادي البسيط، أو المحدود الثقافة إذا وجد في قصيدة أوقصة ... رموزاً كالتالي : تموز tammuz أدونيسAdonis عشتار Ishtar الفنيق phoenix سيزيف Sisyphus إيزريس Isis أوزريس Osiris....و القائمة طويلة من الرموز الإغريقية و الفرعونية و الإنسانيــــــــة عموما ...لاشك أنّ هذه لا تقول شيئا حتى ـ ربّما لبعض المثقفين ـ و من تمَّ كانت الرمزية كتابة نخبوية ، أو تجعل النّص نخبوياً .
و لتبسيط الرمز و جعله في المتناول . ترك بعض الأدباء الرموز العالمية ، و لجؤوا إلى ابتداع رموز لغوية اجتماعية معروفة أو قد تعرف من سياق النّص ، سواء كان شعـــــراً أو قصّة .و لكن الرّمز الذي يوظف توظيفاً فنياً : يرفع قيمة النّص إبداعياً ، و يثريه دلالياً ، و يحمل القارئ بعيداً ، إلى فضاءات لا يمكن أن تحددها الكلمات العادية ، أو التراكيب الواصفة البسيطة ...


3 ـ الحجــــــــم : أمّا من حيث الحجم ، فهناك خلاف كبير.
فحين أقرأ ما كتبته نتالي ساروت من قصص قصيرة جداً في كتاب بعنوان (انفعالات)،أجد القصة عندها طويلة نسبياً دون أن أقول : و رقة . و لكن حين أقرأ للقاص و الروائي الكبير ارنست همنغواي ،أجده قد كتب يوما ً قصة قصيرة جداً في خمس كلمات و هي : (للبيع، حذاء أطفال، غير مستهلك )، وأن بعض المواقع الأدبية أعلنت عن مسابقات للقصّة القصيرة جداً بشرط أن تكون كلماتها محصورة بين كلمتين إلى ثلاثمائة كلمة . بل و أجد رأياً آخر يحصر القصّة القصيرة جداً في 60 كلمة و ينصح الكاتبَ لكي يحافظ على المجموع (60) كلمة أو أقل ينبغي أن يضع (60) سطراً مرقماً على أساس أن يتضمن ـ أثناء الكتابة ـ كلّ سطر كلمة . و في هذا خلاف .....
فالقصة القصيرة جداً إن جاءت في نصف صفحة.أو في فقرتين من ثلاث مائة كلمة، أوأقل كمائة كلمة ، أو ستين و بدون شطط و لا زيادة غير مرغوب فيها؛ فهذا جميل . و عموماً التّكثيف و الإيجاز و اللّغة الشّعرية ... كلّ ذلك لا يسمح بالاستطراد و الشّطط والإطناب . و من تمّ أجد مبدع القصّة القصيرة جداً؛ من المبدعين البلغاء . فهو إن لم يكن بليغاً و متمكناً من ضروب البلاغة، لا يمكنه أن يأتي بالحدث في إيجاز بليغ فنيّ ، و إن حاول ذلك مــراراً.


4 ـ الراوي العليم أوالرؤية من خلف . فهي من أخطر الرؤى الممكنة . كيف ذلك ؟ فالراوي الذي يعرف كلّ شيء؛ يبَسط النّسيج الفنيّ ، و يحلّ عقد البناء القصصيّ، و يكشف كلّ الأوراق ... ما يجعل النّص؛ نصاً عادياً خال من المتعة و التّشويق ...ما لم يتحكم الكاتب في السّارد بذكاء و تبصّر، فينطقه حيث ينبغي له النّطق . و يسكته حيث ينبغي السّكوت ، ويجعله يتجاهل و يتغاضى ما ينبغي له فعل ذلك ...و لكن مع الأسف هذا لا يحدث دائماً . فسرعان ما ينساق الكاتب نفسه ،خلف سارده المفترض، فيرخي الحبل على الغارب دون شعور. فتكون النتيجة نصاً مباشراَ و كأنّه تقرير مفتش شرطة ، أو ضابطة قضائية ، أو كاتب ضبط في محكمة ...


5 ـ القفلــــة Résolution: القفلة هي جملة الختم شكلا ، ولكنها مناط الّسّرد عملا، فمنها ينطلق التّأويل ، و إليها يستند الـتّعليل ، و عليها يندرج التّحليل ...
فهي ذات أهمية قصوى. حتّى أنّ البعض لا يرى قصّة قصيرة جداً بدون قفلة . و إن كان لي رأي مخالف . فالقفلة ـ على ما هي عليه من أهمية ـ فقد يحدث ألا يأتي بها القاصّ شريطة أن تكون القصـة على درجة عالية من التّكثيف ، أو الرّمز ، أوالحذف والإضمار .. فنسقية النّص، و سياقهénonciation وتصويره البلاغي ....كلّ ذلك يجعل القفلــة استثنائية ، لأنّ ما سبقها ـ إن وجد ـ سيغطى على دلالتها و تأثيــرها .


و من خصائصها الملازمـــة التّالي :


1 ـ قفلة مفاجئة . غير متوقعة من قبل المتلقي . و لكن لها صلة بالموضوع .
2 ـ تحدث توثراً و انفعالا ، لنسقها الدّلالي و الّصدامي .
3 ـ تبعث على التّأمل و التّساؤل .
4 ـ تفتح آفاق التّأويل و التّحرّر من تخوم النّص .
5 ـ تأتي عفوية مع سياق الكتابة .
6 ـ لا تُصنّع ،و لا تعـدّ ، سواء من قبل أو من بعـد ، ففي ذلك تكلف .
7 ـ تضفي جمالية دلالية على النّص ، لما تكتنزه من معنى.
8 ـ تأتي على نسق بلاغي forme rhétorique يضفي مسحة فنية على النص .
9 ـتتسم بطابعها الوظيفي fonctionnel في النّص.
10 ـ تتسم بالميزة الجوهرانية essencialiste في النّص.


أمام هذه الخصائص كلّها ، متجمّعة أو في معظمها ، يتبن مقدار الأهمية القصوى التي تحتلّها القفلـة . بل كثير من القصص القصيرة جداً تفقد دلالتها و متعتها و قيمتهـا فقط ، لأنّ القفلة اصطناعية artificiel خالية من العفوية الفنّية .


6 ــ التيمة أو الموضوع : القصّة القصيرة جداً تتسع لكلّ الأفكار الممكنة . لكن ما ينعكس على مرآة النقد أن بعض كتاب القصة القصيرة قد يكررون أنفسهم ـ لا شعوريا ـ و لذلك أسباب ذاتية و نفسية .
فأمّا الذّاتية: فتعود للقاص نفسه . فقد يكتب مجموعة من القصص في فترة زمنية- متقاربة . و ذلك استجابة لداعي الإبداع . و تدفق الإلهام ، أو لدافع تجاري يتعلق بالنّشر ... فلا يمكن للقاص غير المتمرس ، إحداث تميز كبير بين نسيج العمل الأول وما يليه . بل الأدهى إن أعجب بعمله الأول ، أو كان ممن يسحرهم الثناء و كلمات المجاملة الكاذبة . .. فسيتخذ من عمله نموذجاً ينسج على منواله . و مع توالي الأعمال و قلة النقد و التّوجيه . يتعمّق الخطأ و يتجذّر ،. فيصبح الإبداع في تعدد النّمط الواحد ، لا في ابتكار الجديد .. وهذا يوجد في السينما مثلا . إذ يحدث لبعض المخرجين أن تلاقي أفلامهم استحساناً فيتبعون نفس النّهج في الإخراج . إلى أن ينتشلهم النقد و التقويم من دائرة النّمطية والتّكرار ....


أمّا ما هو نفسيّ : فهو الأصعب . لأنّ القاص يجد لذّة لا تعادلها لذّة في اجترار تيماتthèmes تسكنه و تسيطر على إحساسه وقدرة تمييزه فلا يكتب إلاوفق السمة المميزة trait distinctif في لا شعوره ، فيمنعه ذلك من التفكير في التحولات transformations الممكنة .فيكون في ذلك كجمل الطاحونه المعصوب العينين يدور و يدير الطاحونة . و لربّما يعتقد أنّه قطع مسافة طويلة ، حتى إذا أميط الغطاء عن عينيه ، و جد نفسه مشدوداً إلى عمود الطاحونة و لم يبرحه قطعاً ... و هذا ما توضحه بجلاء الأسلوبية التعبيرية stylistique de l'expression
و للتّخلص من النّمطية و التّكرار . يصبح من الضّروري على القاصّ الإكثار من مطالعة القصص،في تنوع ...مع الاهتمام بالتنظير و النّقد القصصيّ . فهناك من لا يقرأ إلا إنتاجه فقط . و هذا مؤسف جداً !! كما يجب عدم الشّعور ـ مجرد الشّعور ـ بالوصول و النّضج الفنيّ .فذاك مدعاة للتقوقع و الانكفاء حول الذّات . و على العكس من ذلك ينبغي للقاص الحلم دائماً بالقصّة التي لم يكتبها بعد. و أن يكتب القصة فلا يعقبها بأخرى ، إلا بعد فترة يخصصها للمطالعة فحسب . و لا يغتر بالثناء المجاني الخادع . الذي لا يستند على برهان أو دليل. بل عليه أن يبتهج لأيّ عملية نقدية تقويمية ، تكشف بعض عيوب نصّه . و ليكن ناقد أعماله . فيكفي أن يترك العمل فترة ثمّ يعود إليه، متفحصاً متمعناً . فإنّه ولاشك سيجد ما يرضيه و ما لا يرضيه . و عموماً قد يكرر القاص نفسه . سواء في موضوعاته ، أو طرائق الكتابة ، و نمطية الأسلوب . و لن يخرج عن هذا المسار . إلا من كان يؤمن بالتجديد أسلوباً و نهجاً .


بين أيدينا الآن مجموعة من إنتاجات مختلفة في القصة القصيرة جداً .سواء التي صدرت في مجموعات ، أو التي نثرت في مواقع إلكترونية ، و منتديات ثقافية و أدبية ... كلّها تشهد أن هذا الجنس الأدبي الجميل ولد مكتملا ، نتيجة تجربة القصة القصيرة ، و القصة عموما .
كما هناك ما أصبح يعرف بالومضة. و الومضة أصغر وحدة قصصية سردية، قد لا تتعدى السطرين أو ثلاثة، تتميز عن غيرها ، أنّ الحدث يأتي كاملا لا يقبل تطوراً. و تعتمد الدّهشة ، و المفاجأة ، و الدعوة إلى التّأمل فقط .
و في هذه المضمومة الكبيرة ، و الباقة الممتعة من الق ق ج... يبقى الاختلاف في الرؤية ، و الكتابة ، و الأسلوب ،و الديباجة ..واردا.... و لكنها تعطي صورة بانورامية عن هذه الكتابة الفنية الرائعة ، في عالمنا العربي . و إن كانت كلها في حاجة إلى متابعة نقدية منهجية ...تحدد خصائصها ، و تبرز محاسنها ، و تقف على نقائصها ...




د مسلك ميمون

هناك 7 تعليقات:

  1. مسألة الشعرية Poétique وسيلة و مكون في النص الإبداعي عموماً، و ليست غاية في حدّ ذاتها. و الق ق ج حين تأتي بلغة مكثّفة ، و إيجاز غير مخل ، و رمز لماح....تكون أقرب إلى لغة الشّعر . بل إنّ كثيراً من الق ق ج التي أقرؤها أصنفها في إطار قصيدة النثر،من حيث اللّغة و التّراكيب ، فضلا عن النسق الحكائي . و ذلك لما أجد فيها من شاعرية مهيمنة ..أردت أن أقول إن الشعرية إذا توفرت أسبابها ،و مركباتها ، حتماً ستكون ضمنياً كنتيجة . كتوفر الماء بتوفر H2O
    و الق ق ج استفادت ـ فعلا ـ من أجناس أدبية .و منها لغة الشعر.. و لكنها تميزت بخصوصيتها .

    ردحذف
  2. مسألة الاستسهال في الكتابة الأدبية الإبداعية ، ساهم فيها الجميع. من المدرسة إلى الكلية ،ومن المبدع إلى الناقد إلى الناشر .. و أصبحت أمامنا تلال من القصص و الدواوين .. و لا القصص قصص ، و تستحق هذا الجنس و تنتمي إليه .. و لا الدواوين دواوين ، و تنتمي إلى الشعر و ضروبه .. اختلط الحابل بالنابل في غياب غربال النقد و التّوجيه ، الشيء الذي كان أهم الأسباب في ظهور هذا الغثاء، الذي عمّ و انتشر، و أصبح مزية الإبداع عند بعض البشر.
    و كما تعلمين أيتها العزيزة ، ففي كل ما نكتب من شعر و قصة ، حتماً ـ عند الغربلة النقدية ـ لا يبقى إلا القليل القليل ، مما يستحق شرف الإبداع .

    و مصيبتنا فيما يبديه بعضنا من تعاليق فجّة مليئة بالمجاملات و الرياء . إذ أشعر و أنا أقرؤها بنوع من الغثيان : ثناء و إكبار و كلمات كبيرة ، و اعتزاز .. و كأني بالكاتب أتاه الوحي من حيث لا يدري . بل هو نفسه يندهش من ( خربشته ) كيف جاءته بكل هذا المدح و الإكبار ... و هكذا ، تعليق فج يليه آخر ثم آخر يعطينا في نهاية المطاف ، مبدعاً مغروراً ، يحسب نفسه أدرك سدرة المنتهى الإبداعية .. و أخطاؤه الإملائة و النحوية و اللغوية تزري به زراية . و تكذب التعاليق الفجّة المجاملة .
    نحن في حاجة إلى الإبداع . و في حاجة إلى المبدعين . و لكن في حاجة ماسّة إلى إبداع هو نتاج مبدع مكوّن ، واع كل الوعي بطرائق عمله، و أدوات اشتغاله. إن كنت أنسى فلم أنس ذاك المبدع الذي علقت على قصّته فراسلني على الخاص يقول لي : ( .. و هل يلاحظ حتى على الهمزة القطعية ، المهم القصة و المضمون ..) فما عساني أقول لهذا الذي يحاجني على الهمزة القطعية و قد أهملها تماما في نصه ؟ فما بالك عن أشياء أخرى ...و هناك أخت مبدعة في رد متسرع قالت و قد علقتُ على نصها : ( ..يا أستاذ ،النقد الذي يهتم باللغة هو نقد لغوي ، و نحن نكتب قصة .. ) و ما عساني أقول لهذه الأخت ؟ هل هناك قصة خارج اللغة ؟ هل هناك إبداع أدبي في غنى عن اللغة ؟ أليست اللغة عمدة و أساس ؟ هل يمكن للبناء أن يبني بيتا بدون أدوات ؟

    ردحذف
  3. لا داعي للخوف من الكتابة ، و لكن لا داعي لاستسهالها أيضاً. فإذا استطعت إقامة المعادلة بين الخوف و عدم الاستسهال ، كنت ناجة في عملية الكتابة .
    لقد ذكرتُ ما ذكرت أيتها العزيزة، لما لمسته من كتابة فجّة ، لا ترقى إلى مستوى الكتابة الفنية بله القصصية . و هذا يعود بالدرجة الأولى لعملية الاستسهال و قلّة الدّراسة و البحث الجاد ..بالّنسبة لك أنا جد مطمئن لأنّك تبحثين، و تقرئين ،و تسألين... فأنت إذاً تملكين مفاتيح الكنز كلّها . فقط أتمنى أن تستمري في ذلك لأنّ هذا العمل لا ينتهي، و قد يستغرق العمر كلّه بحثاً عن نص جيد ، و قد يموت المبدع، و هو يحلم بنص جيد .

    ردحذف
  4. الخوض في يم ّالق ق ج مغامرة ليست مأمونة و ليست بالسّهلة كما يرى بعض مستسهلي هذا الفن الجميل .. و لكن في ذات الوقت ليست معجزة و لا مستعصية و لا عزيزة ... بالنسبة للذي يبذل من أجلها جهداً في التّدبر و التّعامل و الدراسة و البحث و السّؤال المستمر ، بغية الوعي و المثاقفة ..

    ردحذف
  5. ما كتبنا هذه المقالة و غيرها ، إلا لنوضح أنّ لكلّ جنس أدبي خصائصه الخاصّة به .التي تميزه ، و تجعل له كياناً مستقلا بذاته .
    و هذا لا يعني عدم التّقاطع في بعض النّقط . و ذاك جار في مختلف ضروب السّرد الأخرى .
    أمّا بالنسبة للخاطرة و الق ق ج ، فقد يكون بعض التّلاقي في القفلة كأن تكون بصيغة الخاطرة التّأملية ، أو محفزة للتساؤل و إثارة الذهن ...
    في غير هذا تبقى المكونات كما هي واردة في المقال . و لا يمكن تخطي الخلط بين الجنسين . إلا إذا استوعبت الخصائص و الفروق ،و عرفت الحدود و الإمكانات في كلّ فن . و عموماً كثرة القراءة المتأنية، و الفاحصة... تقربنا من امتلاك جوهر كلّ فن ، و معرفة خريطته ،و أبعاده ،و أسسه ...

    ردحذف
  6. الق ق ج لا تحفل كثيراً بالمكان و الزمان كالقصة القصيرة ،و الطويلة ، أو الرواية .. و لهذا نجد معظم الق قج تهتم بالصياغة و الأسلوب ، و تتمركز حول الفكرة . و يحدث أن يكون ذكر الزمان أو المكان أو هما معاً .. و لكن ذلك ليس ضرورة حتمية . اللّهم إذا كانت فكرة النّص تفترض ذلك .

    ردحذف
  7. 1/ هل الحبكة لها قانونها الخاص في فن ق ق ج

    الجواب : الق ق ج لها خصوصياتها كما بين ذلك في الموضوع و لكنها الابنة الشرعية للقصة . بمعنى كثير من خصائص القصة نجدها في الق ق ج و من ذلك الحبكة . لأنها مثار الفضول و التساؤل و التأمل و التّشويق
    و بدونها لا تبنى القفلة بناء جيداً و مناسباً و متجانساً . إنما ذلك عماده التكثيف و الحذف و الاضمار ....و أشياء أخرى.. فحجم الق ق ج لا يحتمل الاسهاب و الاستطراد و التفصيل ..بل القاص قد يلمح و على المتلقي أن يضيف و يستنتج ...ليكون مشاركاً في العملية الابداعية بدل أن يكون مستهلكاً فقط .

    2/ معلوم أن السردية هي العمود الفقري الذي يقوم عليه جسد القصة ؛ فهل نضع لها أحكاما وضوابط تحصن النص من العوق الإبداعي؟

    الجواب : كل فن ينبني على قواعد ،و الإبدع هو في حسن تطبيقها و الاستفادة منها ،فضلا عن عنصر الذات و رؤيتها ،و التجربة و خصوصيتها ، و الأفكار و مدى جدّيتها....و بذلك ليس كلّ سرد قصة و إن كانت كلّ قصة من السرد .فكثير من النصوص المنشورة ورقياً أو إلكترونياً هي أبعد ما يمكن أن تكون عن القصة .. و لكن الجهل بالقواعد، و مكونات البناء، و غياب النقد ،و انتشار المجاملات .. كل ذلك يجعل من تلك النصوص قصصا بالقوة ( بالعافية ) على حد تعبير الإخوة في مصر . و هذا غير معقول . الأمر الذي لا تضبطه ضوابط و قواعد ..هو الفوضى بعينها .

    ردحذف